الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

442

مختصر الامثل

سبب النّزول في تفسير مجمع البيان : قال أبو حمزة الثمالي : بلغنا أنّ المشركين يوم بدر ، لم يخلفوا إذ خرجوا احداً ، إلّاصبياً أو شيخاً كبيراً أو مريضاً . فخرج معهم ناس ممن تكلم بالإسلام فلما التقى المشركون ورسول اللَّه نظر الذين كانوا قد تكلّموا بالإسلام إلى قلّة المسلمين فارتابوا واصيبوا فيمن أصيب من المشركين ، فنزلت فيهم الآية . التّفسير تعقيباً للبحوث الخاصة بالجهاد ، تشير الآيات الثلاث الأخيرة إلى المصير الأسود الذي كان من نصيب أولئك الذين ادعوا الإسلام ولكنهم رفضوا أن يطبقوا خطة الإسلام في الهجرة . فالقرآن الكريم يذكر كيف أنّ الملائكة لدى قبضهم لأرواح هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم ، يسألونهم عن حالهم في الدنيا وأنّهم لو كانوا حقاً من المسلمين ، فلماذا اشتركوا في صفوف المشركين لقتال المسلمين : « إِنَّ الَّذِينَ تَوَفهُمُ الْمَلِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ » . فيجيب هؤلاء بأنّهم تعرضوا في مواطنهم للضغط وأنّ ذلك أعجزهم عن تنفيذ الأمر الإلهي « قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الْأَرْضِ » . لكن عذرهم هذا لم يقبل منهم ، إذ يرد الملائكة عليهم قائلين : لماذا لم تتركوا موطن الشرك وتنجوا بأنفسكم من الظلم ، والكبت عن طريق الهجرة إلى أرض غير أرضكم من أرض اللَّه الواسعة ، « قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا » . وفي النهاية تشير الآية إلى مصير هؤلاء ، فتقول بأنّ الذين امتنعوا عن الهجرة لأسباب واهية أو لمصالحهم الشخصية ، وقرروا البقاء في محيط ملوث وفضلوا الكبت والقمع على الهجرة فإنّ مكان هؤلاء سيكون في جهنم ، وإنّ نهايتهم وعاقبتهم هناك ستكون سيئة لا محالة : « فَأُولئِكَ مَأْوَيهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا » . أمّا الآية الأخرى من الآيات الثلاث المذكورة ، فهي تستثني المستضعفين والعاجزين الحقيقيين لا المزيفين ، فتقول : إنّ أولئك الرجال والنساء والأطفال الذين لم يجدوا لأنفسهم مخرجاً للهجرة ، ولم يتمكنوا من إيجاد وسيلة للنجاة من محيطهم الملوث ، فهم مستثنون من حكم العذاب ، لأنّ هؤلاء معذورون في الحقيقة ، وإنّ اللَّه لا يكلف نفساً ما لا تطيق ، « إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرّجَالِ وَالنّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَايَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا » . والآية الأخيرة من الآيات الثلاث المذكورة تبيّن احتمال أن يشمل اللَّه بعفوه هؤلاء ، إذ