الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
430
مختصر الامثل
والعمل الجاد في طريقهم ومسيرتهم نحو الهدف المقدس الذي يعملون ويدعون من أجله ، حتى لو لم يجدوا من يستجيب لدعوتهم ، لأنّ استمرار الدعوة غير مشروط باستجابة الآخرين لها ، وأي قائد لا يتوفر فيه هذا الحزم فهو بلا ريب عاجز عن النهوض بمهام القيادة ، فلا يستطيع أن يواصل الطريق نحو تحقيق الأهداف المرجوة خاصة القادة الإلهيون الذين يعتمدون على اللَّه . . . مصدر كل قدرة وقوة في عالم الوجود ، وهو سبحانه أقوى من كل ما يدبّره الأعداء من دسائس ومكائد بوجه الدعوة ، لذلك تقول الآية : « عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا » « 1 » . مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً ( 85 ) عواقب التحريض على الخير أو الشر : لقد أشير في الآية السابقة إلى أنّ كل إنسان مسؤول عن عمله وعما هو مكلف بأدائه ، ولا يُسأل أي إنسان عن أفعال الآخرين . أمّا هذه الآية فقد جاءت لكي تسدّ الطريق أمام كل فهم خاطىء للآية السابقة ، فبينت أنّ الإنسان إذا حرّض الغير على فعل الخير أو فعل الشر فينال نصيباً من ذلك الخير أو الشر : « مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا » « 2 » . وهذا بحد ذاته - حثّ على دعوة الآخرين إلى فعل الخير والتزام جانب الحق ، ونهي الغير عن فعل الشر ، كما تبين هذه الآية اهتمام القرآن بنشر الروح الاجتماعية لدى المسلمين ، ودعوتهم إلى نبذ الأنانية أو الإنطوائية ، وإلى عدم تجاهل الآخرين ، وذلك من خلال التواصي بالخير والحق والتحذير من الشر والباطل . وبناء على هذه النظرة الإسلامية ، فإنّ مرتكبي الذنب ليسوا هم وحدهم مذنبين ، بل يشترك في الذنب معهم كل الذين شجعوا المرتكبين على ذنبهم ، عن طريق وسائل الإعلام
--> ( 1 ) « البأس » و « البأساء » : بمعنى الشدّة والقهر والغلبة . « التنكيل » : من نكل في الشيء ، أي ضعف وعجز ، و « النكل » قيد الدابة وحديدة اللجام لكونهما مانعين ؛ و « التنكيل » أداء عمل يردع مشاهده عن الذنب وهو العقاب الذي ينزل بالظالمين فيردعهم ويردع من يتعض بمصيرهم . ( 2 ) « الكفل » : هو عجز الحيوان ومؤخرته التي يصعب ركوبها ويشق ، من هنا فكلّ ذنب وحصة رديئة كفل ، والكفالة كل عمل ينطوي على تعب وعناء .