الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

412

مختصر الامثل

ثم يقول سبحانه في ختام الآية : « إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا » . أي إنّه قادر بعزته أن يوقع هذه العقوبات بالعصاة ، وأنّه لا يفعل ذلك اعتباطاً ، بل عن حكمة وعلى أساس الجزاء على المعصية . ثم يقول سبحانه في الآية الثانية : « وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًا ظَلِيلًا » « 1 » . أي : إنّنا نعد المؤمنين الذين يعملون الصالحات بأنّ ندخلهم جنات تجري من تحت أشجارها الأنهار والسواقي يعيشون فيها حياة خالدة ، هذا مضافاً إلى ما يعطون من أزواج مطهرات يستريحون إليهن ، ويجدون في كنفهن لذة الروح والجسد ، وينعمون تحت ظلال خالدة بدل الظلال الزائلة ، لا تؤذيهم الرياح اللافحة كما لا يؤذيهم الزمهرير أبداً . إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً ( 58 ) سبب النّزول في تفسير مجمع البيان : إنّ هذه الآية خطاب للنبي صلى الله عليه وآله بردّ مفتاح الكعبة إلى عثمان بن طلحة حين قبض منه المفتاح يوم فتح كعبة وأراد أن يدفعه إلى العباس ، لتكون له الحجابة والسقاية . ( والظاهر أنّ العباس أراد أن يستفيد من نفوذ ومكانة ابن أخيه الاجتماعية والسياسية لمصلحته الشخصية ) ولكن النبي صلى الله عليه وآله فعل خلاف ذلك ، فإنّه بعد ما طهّر الكعبة من الأصنام والأوثان ، أمر علياً عليه السلام أن يردّ المفتاح إلى عثمان بن طلحة ففعل ذلك وهو يتلو الآية المبحوثة . التّفسير الآية الحاضرة تتضمّن حكماً عامّاً وشاملًا للجميع ، فهي تقول بصراحة : « إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا » . إنّ للأمانة معنى وسيعاً يشمل كل شيء مادي ومعنوي ، ويجب على كل مسلم - بصريح

--> ( 1 ) « الظليل » : من مادة « الظل » بمعنى الفيء ، واستعمل هنا للتأكيد ، لأنّ معناه الظل المظلل أو الظل الظليل وهو كناية عن غاية الراحة والدعة والرفاه .