الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

413

مختصر الامثل

هذه الآية - أن لا يخون أحداً في أيّة أمانة دون استثناء ، سواء كان صاحب الأمانة مسلماً أو غير مسلم ، وهذا هو إحدى المواد في « الميثاق الاسلامي لحقوق الإنسان » التي يتساوى تجاهها كل أفراد البشر . ثم إنّه سبحانه يشير - في القسم الثاني من الآية - إلى قانون مهم آخر ، وهو مسألة « العدالة في الحكومة » فيقول : « وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ » . أي إنّ اللَّه يوصيكم أيضاً أن تلتزموا جانب العدالة في القضاء والحكم بين الناس ، فتحكموا بعدل . ثم قال سبحانه تأكيداً لهذين التعليمين : « إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ » . ثم يقول مؤكّداً ذلك أيضاً : « إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا » فهو يراقب أعمالكم وهو يسمع أحاديثكم ويرى أفعالكم . إنّ الأمانة لا تنحصر في الأموال التي يودعها الناس - بعضهم عند بعض - بل العلماء في المجتمع هم أيضاً مستأمنون يجب عليهم أن لا يكتموا الحقائق ، بل حتى أبناء الإنسان وأولاده أمانات إلهية لدى الآباء والأمهات فلا يفرطوا في تربيتهم ، ولا يقصروا في تأديبهم وتعليمهم ، وإلّا كان ذلك خيانة في الأمانة الإلهية التي أمر اللَّه بأدائها ، بل وفوق ذلك كله الوجود الإنساني ، فهو وجميع الطاقات المودوعة فيه « أمانات اللَّه » التي يجب على الإنسان أن يجتهد في المحافظة عليها ، كما عليه أن يحافظ على صحّة جسمه وسلامة روحه . في الكافي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال لأحد أصحابه : « اعلم أنّ ضارب علي بالسيف وقاتله لو ائتمنني واستنصحني واستشارني ثم قبلت ذلك منه لأدّيت إليه الأمانة » . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ( 59 ) هذه الآية وبعض الآيات اللاحقة تبحث عن واحدة من أهم المسائل الإسلامية ، ألا وهي مسألة القيادة ، وتعيين القادة والمراجع الحقيقيين للمسلمين في مختلف المسائل الدينية والاجتماعية . فهي تأمر المؤمنين - أوّلًا - بأن يطيعوا اللَّه ، ومن البديهي أنّه يجب أن تنتهي جميع الطاعات - عند الفرد المؤمن - إلى طاعة اللَّه سبحانه ، وكل قيادة وولاية يجب أن تنبع من ولاية اللَّه سبحانه وذاته المقدّسة تعالى وتكون حسب أمره ومشيئته ، لأنّه الحاكم