الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

411

مختصر الامثل

ذلك المنصب الجليل وذلك المقام الرفيع ، وقد أعطاكم اللَّه سبحانه وأعطى ال إبراهيم الكتاب السماوي والعلم والحكمة والملك العريض ( مثل ملك موسى وسليمان وداود ) ولكنكم - مع الأسف - أسأتم خلافتهم ففقدتم تلكم النعم المادية والمعنوية القيمة بسبب قسوتكم وشروركم : « فَقَدْ ءَاتَيْنَا ءَالَ إِبْرهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا » . في تفسير البرهان عن أبي الصباح قال : سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن قول اللَّه عز وجل « أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ . . . » فقال : « يا أبا الصباح نحن [ واللَّه الناس ] المحسودون » . ثم قال القرآن الكريم في الآية اللاحقة : « فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا » . أي إنّ من الناس آنذاك من آمن بالكتاب الذي نزل على آل إبراهيم ، ومنهم من لم يكتف بعدم الإيمان بذلك الكتاب ، بل صدّ الآخرين عن الإيمان وحال دون انتشاره ، أولئك كفاهم نار جهنم المشتعلة عذاباً وعقوبة . وسينتهي إلى نفس هذا المصير كل من كفر بالقرآن الكريم الذي نزل على رسول اللَّه صلى الله عليه وآله . إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً ( 56 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا ( 57 ) تعقيباً على الآيات السابقة شرحت هاتان الآيتان مصير المؤمنين والكافرين . فالآية الأولى تقول : « إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَايَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا » « 1 » . وعلة تبديل الجلود - على الظاهر - هي أنّه عندما تنضج الجلود يخف الإحساس بالألم لدى الإنسان ، ولكي لا تتخفف عقوبتها وعذابها وليحس الإنسان بالألم إحساساً كاملًا ، تبدل الجلود ، وتأتي مكان الجلود الناضجة جلود جديدة ، وما هذا إلّانتيجة الإصرار على تجاهل الأوامر الإلهية ، ومخالفة الحق والعدل ، والإعراض عن طاعة اللَّه .

--> ( 1 ) « نصليهم » : من مادة « الصلى » بمعنى الإلقاء في النار ، والإشتواء بالنار ، أو التدفؤ بالنار و « نضجت » : من مادة « نضج » بمعنى أدركت شيها وصارت مشوية .