الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
406
مختصر الامثل
ثم إنّ اللَّه سبحانه يهددهم بأنّ عليهم أن يخضعوا للحق ويذعنوا له قبل أن يُصابوا بإحدى عقوبتين : الأولى : أن تنمحي صورهم كاملة ، وأن تذهب عنهم جوارحهم وأعضاؤهم التي يرون ويسمعون ويدركون بها الحق ، كلها ثم تقلب وجوههم إلى خلف كما يقول سبحانه : « مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا » « 1 » . والمراد من « الطمس وإعفاء الأثر والرّد على العقب » في الآية الحاضرة هو المحو الفكري والروحي ، والتأخر المعنوي . وأمّا العقوبة الثانية التي هددهم اللَّه بها فهي اللعن والطرد من رحمته تعالى إذ قال : « أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ » « 2 » . إنّ أهل الكتاب بإصرارهم على مخالفة الحق يسقطون ويتقهقرون أو يهلكون . ثم إنّ اللَّه يختم هذه الآية بقوله : « وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا » ليؤكّد هذه التهديدات ، فإنّه لا توجد قوة في الأرض تستطيع أن تقف في وجه إرادة اللَّه ومشيئته . إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً ( 48 ) أرجى آيات القرآن : الآية الحاضرة تعلن بصراحة أنّ جميع الذنوب والمعاصي قابلة للمغفرة والعفو ، إلا « الشرك » فإنّه لا يغفر أبداً ، إلّاأن يكف المشرك عن شركه ويتوب ويصير موحداً . « إِنَّ اللَّهَ لَايَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَن يَشَاءُ » . إنّ ارتباط هذه الآية بالآيات السابقة إنّما هو من جهة أنّ اليهود والنصارى كانوا بشكل من الاشكال مشركين ، كل طائفة بشكل معين ، والقرآن ينذرهم - بهذه الآية - بأن يتركوا هذه العقيدة الفاسدة التي لا يشملها العفو والغفران ، ثم يبين في خاتمة الآية دليل هذا الأمر إذ يقول : « وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا » « 3 » .
--> ( 1 ) « الطمس » : هو إزالة الأثر بالمحو ، مثل أن نهدم بيتاً ثم نزيل أثره بالمرة ، ولكنّه يطلق - كناية - على ما فقد أثره وخاصيّته . ( 2 ) أصحاب السبت هم الذين ستأتي قصّتهم في سورة الأعراف عند تفسير الآيات ( 163 - 166 ) . ( 3 ) « الافتراء » : مشتقة من مادة « فرى » على وزن ( فرد ) بمعنى القطع ، وحيث إنّ قطع بعض أجزاء الشئ السالم يفسد ذلك الشيء ويخربه استعمل في كل مخالفة ، ومن جملة ذلك الشرك والكذب والتهمة .