الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
370
مختصر الامثل
في حين يرى الإسلام أنّ الأمة الفقيرة لا تستطيع أبداً الوقوف على قدميها . وأنّه لعجيب أن نرى تلك الطائفة بلغت إلى ما بلغت من المراتب في عالمنا الراهن في حقول التقدم الاقتصادي مع ما هم عليه من التعاليم الخاطئة ، في حين نعاني من هذا الوضع المأسوي مع ما نملك من التعاليم الحيوية العظيمة . غير أنّه لا داعي للعجب ، فهم تركوا تلك الخرافات والأضاليل فوصلوا إلى ما وصلوا ، بينما تركنا نحن هذه التعاليم الراقية فوقعنا في هذه الحيرة ، والتخلف . ثم إنّ اللَّه سبحانه يأمر - في شأن اليتامى - بأمرين مهمين هما : أوّلًا : رزق اليتامى وإكسائهم من أموالهم حتى يبلغوا سنّ الرشد إذ يقول : « وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ » . ثانياً : مخاطبة اليتامى والتكلم معهم بقول طيب ورقيق إذ قال سبحانه : « وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا » . وذلك لإزالة ما يشعر به اليتامى من نقصان روحي وعُقد نفسية ، ويساعدوا بذلك على ترشيدهم وبلوغهم حد الرشد العقلي ، وبهذا يكون بناء شخصية اليتيم وترشيده عقلياً من وظائف الأولياء ومسؤولياتهم أيضاً . ها هنا تعليم آخر في شأن اليتامى وأموالهم ، إذ يقول سبحانه : « وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النّكَاحَ » . فإذا بلغوا سنّ الرشد الذي آنستم فيه قدرتهم على إدارة أموالهم والتصرف فيها بنحو معقول فأعطوهم أموالهم : « فَإِن ءَانَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ » « 1 » . ثم إنّه سبحانه قال : « وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا » . وهو تأكيد آخر للأولياء بأن لا يسلموا الأموال إلى اليتامى قبل أن يكبروا بأن يحافظوا على أموال اليتامى ولا يتلفوها أبداً . ثم إنّه تعالى يردف هذا التأكيد بقوله : « وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ » . وبهذا أذن اللَّه تعالى للأولياء بأن يأخذوا لأنفسهم من أموال اليتامى لقاء ما يتحملون من أتعاب في حفظها ، وحراستها ، على أن يراعوا جانب العدل والإنصاف فيما يأخذونه بعنوان الأجرة ، هذا إذا كان الولي فقيراً ، أما إذا كان غنياً فلا يأخذ من مال اليتيم
--> ( 1 ) « الإيناس » : بمعنى المشاهدة والرؤية .