الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

328

مختصر الامثل

قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِين مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ » . وهذه الحقيقة هي أنّ الإسلام ليس دين عبادة الشخصية حتى إذا قتل النبي صلى الله عليه وآله ونال الشهادة في هذه المعركة . إنّ عبادة الشخصية وتقديس الفرد من أخطر ما يصيب أية حركة جهادية ويهددها بالسقوط والانتهاء ، فإنّ ارتباط الحركة أو الدين بشخص معين حتى لو كان ذلك هو النبي الخاتم صلى الله عليه وآله معناه توقف كل الفعاليات وكل تقدم بفقدانه وغيابه عن الساحة ، وهذا النوع من الارتباط هو أحد علائم النقص في الرشد الاجتماعي . ثم إنّه سبحانه يقول : « وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرُّ اللَّهَ شَيًا » . يعني أنّ العودة إلى الكفر والوثنية تضرّكم أنتم دون اللَّه سبحانه ، لأنّ أمثال هذا التراجع لا يعني سوى توقفكم في طريق الخير والسعي نحو السعادة الكاملة ، بل فقدان كل ما حصلتموه من العزة والكرامة والمجد بسرعة . ثم إنّه لما كان هناك - في معركة أحد - أقلية استمرت على جهادها رغم الصعوبات ، وانتشار الخبر المفجع عن مقتل الرسول صلى الله عليه وآله كان من الطبيعي أن ينال صمودهم هذا وثباتهم التقدير اللائق ، ولهذا قال سبحانه : « وَسَيَجْزِى اللَّهُ الشَّاكِرِينَ » . وبذلك مدح القرآن الكريم استقامتهم وصمودهم ، ووصفهم بالشاكرين لأنّهم أحسنوا الاستفادة والانتفاع بالنعم في سبيل اللَّه ، وهذا أفضل مصاديق الشكر . ثم إنّ جماعة كثيرة من المسلمين ارعبوا وزلزلوا لشائعة مقتل النبي في أحد - كما أسلفنا - إلى درجة أنّهم تركوا ساحة المعركة ، وفروا بأنفسهم من الموت وحتى أنّ بعضهم فكر في الردة عن الإسلام ، فكان قوله سبحانه : « وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذِنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا » . وهو يكرر توبيخهم ، وتنبيههم إلى أنّ الموت بيد اللَّه ، والفرار لا ينفع في الخلاص من الأجل الإلهي . ومن ناحية أخرى أنّ الفرار من المعركة لا يدفع الأجل كما أنّ مواصلة القتال والبقاء في المعركة لا يقرب هو الآخر أجلًا . وبعد عرض هذه الحقائق يعقب سبحانه على ما قال بقوله : « وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْأَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا » . أي إنّ ما عمله الإنسان لا يضيع أبداً ، فإن كان هدفه دنيوياً مادياً كما كان عليه بعض المقاتلين في « أحد » فإنّه سيحصل على ما يسعى إليه ويناله . وأمّا إذا كان هدفه أسمى من ذلك ، وصب جهوده في سبيل الحصول على الحياة