الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

329

مختصر الامثل

الخالدة والفضائل الإنسانية بلغ إلى هدفه حتماً وأوتي ثواب الآخرة الذي هو أعظم من كل ثواب وأسمى من كل نتيجة ، فلماذا إذن لا يصرف الإنسان جهوده ، ويوظف ما أوتي من طاقات معنوية ومادية في الطريق الثاني وهو الطريق الخالد السامي ؟ وتأكيداً لهذه الحقيقة قال سبحانه مرة أخرى : « وَسَنَجْزِى الشَّاكِرِينَ » . وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ( 146 ) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ( 147 ) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 148 ) المجاهدون السابقون : بعد استعراض حوادث معركة أحد في الآيات السابقة ، جاءت الآيات الحاضرة لتحث المسلمين على التضحية والثبات وتشجعهم وتثبّتهم بذكر تضحيات من سبقوهم من أصحاب الرسل الماضين وأتباعهم المؤمنين الصادقين الأبطال ، وتوبّخ ضمناً أولئك الذين فرّوا في « أحد » وحدّثوا أنفسهم بما حدّثوا إذ يقول سبحانه في الآية الأولى من هذه الآيات : « وَكَأَيّن مّن نَّبِىّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ » « 1 » . فأنصار الأنبياء إذا واجهوا المصاعب والجراحات والشدائد في قتالهم الأعداء لم يشعروا بالضعف والهوان أبداً ، ولم يخضعوا للعدو أو يستسلموا له ، ومن البديهي أنّ اللَّه تعالى يحب مثل هؤلاء الأشخاص الذين يثبتون ويصبرون في القتال : « وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ » . فهؤلاء عندما كانوا يواجهون المشاكل بسبب بعض الأخطاء أو العثرات وعدم الانضباط لم يفكروا في الاستسلام للأمر الواقع ، أو يحدثوا أنفسهم بالفرار أو الإرتداد عن الدين والعقيدة بل كانوا يتضرعون إلى اللَّه يطلبون منه الصبر والثبات ، والعون والمدد ويقولون : « رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ » .

--> ( 1 ) « ربّيّون » : جمع « ربى » وزان « على » يطلق على من اشتد ارتباطه باللَّه عزّ وجلّ ، ويكون مؤمناً عالماً ، صامداًمخلصاً .