الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
32
مختصر الامثل
وحدة شخصيته ، ويتّجه نحو إزدواجية الشخصية وتعدد الشخصيات في ذاته ، ويهدر بذلك طاقاته على طريق التذبذب والتآمر والتخريب ، وهو مع ذلك يعتقد برجاحة عقله ؟ ! العلامة الثالثة لهؤلاء ، هي تلونهم بألوان معينة تبعاً لما تفرضه عليهم مصالحهم ، فهم انتهازيون يظهرون الولاء للمؤمنين ولأعدائهم من الشياطين : « وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهزِءُونَ » . وبلهجة قوية حاسمة يرد القرآن الكريم على هؤلاء ويقول : « اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ » « 1 » . الآية الأخيرة توضّح المصير الأسود المظلم لهؤلاء المنافقين ، وخسارتهم في سيرتهم الحياتية الضّالة : « أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّللَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ » . إنّ إزدواجية الشخصية ، والتضاد بين المحتوى الداخلي والسلوك الخارجي في وجود المنافقين ، يفرز ظواهر عديدة بارزة مشهودة في أعمالهم وأقوالهم وسلوكهم الفردي والاجتماعي . سعة معنى النفاق : النفاق في مفهومه الخاص صفة أولئك الذين يظهرون الإسلام ، ويبطنون الكفر ، لكن النفاق له معنىً عام واسع يشمل كل ازدواجية بين الظاهر والباطن ، وكل افتراق بين القول والعمل ، من هنا قد يوجد في قلب المؤمن بعض ما نسميه « خيوط النفاق » . ففي الحديث عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : « ثلاث من كنّ فيه كان منافقاً وإن صام وصلّى وزعم أنّه مسلم : من إذا ائتمن خان ، وإذا حدّث كذب ، وإذا وعد أخلف » « 2 » . الحديث لا يدور هنا طبعاً عن المنافق بالمعنى الخاص ، بل عن الذي في قلبه خيوط من النفاق ، تظهر على سلوكه بأشكال مختلفة ، وخاصة بشكل رياء ، كما جاء في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام : « الرّياء شجرة لا تُثمر إلّاالشّرك الخفيّ وأصلها النّفاق » « 3 » .
--> ( 1 ) « يعمهون » : من « العَمَه » أي التردّد في الأمر ، وأيضاً بمعنى عمى القلب والبصيرة بسبب التحيّر . ( 2 ) بحار الأنوار 69 / 108 / 8 . ( 3 ) بحار الأنوار 69 / 300 / 37 .