الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
33
مختصر الامثل
خداع الضمير : الآية المذكورة تشير بوضوح إلى حقيقة خداع الضمير والوجدان ، وأنّ الإنسان المنحرف الملوّث كثيراً ما يعمد إلى خداع نفسه ووجدانه للتخلص من تأنيب الضمير ، ويصبح بالتدريج مقتنعاً بأنّ قبائحه ليست عملًا انحرافياً ، بل هي أعمال إصلاحية « إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ » . وبذلك يخدعون أنفسهم ويستمرون في غيّهم . مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ ( 17 ) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ( 18 ) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ( 19 ) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 20 ) مثالان رائعان لوصف حالة المنافقين : بعد أن بيّن القرآن صفات المنافقين وخصائصهم ، يقدّم مثالين متحركين لتجسيم وضعهم : 1 - « مَثَلُهُمْ » المنافقين « كَمَثَلِ الَّذِى اسْتَوْقَدَ نَارًا » في ليلة مظلمة ، كي يهتدي بها في الطريق ويبلغ مقصده ، « فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ » . لقد ظن هؤلاء أنّهم قادرون على أن يحققوا أهدافهم بما لديهم من إمكانات إنارة محدودة ، ولكن نارهم سرعان ما انطفأت بسبب عوامل جوّية ، أو بسبب نفاد الوقود ، وظلوا حائرين لا يهتدون سبيلًا . ثم تضيف الآية الكريمة أنّ هؤلاء فقدوا كل وسيلة لدرك الحقائق : « صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ » . هذا النور الضعيف المؤقّت ، إمّا أن يكون إشارة إلى الضمير والفطرة التوحيدية ، أو إشارة إلى الإيمان الأوّلي لهؤلاء المنافقين حيث أسدلت عليه ستائر مظلمة على أثر التقليد الأعمى والتعصب المقيت واللجاج والعداء ، فتحولت ساحة حياتهم لا إلى ظلمة ، بل إلى