الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

313

مختصر الامثل

يحسب بعض المسلمين أنّ في مقدورهم أن يكسبوا حبّ الأعداء والأجانب إذا أعطوهم حبهم وودهم ، وهو خطأ فظيع ، وتصور باطل ، يقول سبحانه : « هَا أَنتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلّهِ » . إنّه سبحانه يخاطب هذا الفريق من المسلمين ويقول لهم : إنّكم تحبّون من يفارقكم في الدين لما بينكم من الصداقة أو القرابة أو الجوار ، وتظهرون لهم المودّة والمحبّة ، والحال أنّهم لا يحبّونكم أبداً ، وتؤمنون بكتبهم وكتابكم المنزل من السماء - على السواء - في حين أنّهم لا يؤمنون بكتابكم ولا يعترفون بأنّه منزل من السماء . إنّ هذا الفريق من أهل الكتاب ينافقون ويخادعون « وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ » . ولا شكّ أنّ هذا الغيظ لن يضر المسلمين في الواقع ، إذن فقل لهم يا رسول اللَّه : « قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ » . واستمروا على هذا الحنق فإنّه لن يفارقكم حتى تموتوا . هذه هي حقيقة الكفّار التي غفلتم عنها ولم يغفل عنها سبحانه : « إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ » . ثم إنّ اللَّه يذكر علامة أخرى من علائم العداوة الكامنة في صدور الكفّار إذ يقول : « إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا » . ولكن هل تضر هذه العداوة وما يلحقها من ممارسات ومحاولات شريرة بالمسلمين ؟ هذا ما يجيب عنه ذيل الآية الحاضرة حيث يقول سبحانه : « وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ » . وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 121 ) إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 122 ) من هنا تبدأ الآيات التي نزلت حول واحدة من أهم الأحداث الإسلامية ألا وهي معركة أحد . في البدء تشير الآية الأولى إلى خروج النبي صلى الله عليه وآله من المدينة لاختيار المحل الذي يعسكر فيه عند « أحد » وتقول : « وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ » . أي