الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

312

مختصر الامثل

التّفسير لا تتخذوا الأعداء بطانة : هذه الآية التي جاءت بعد الآيات السابقة التي تعرضت لمسألة العلاقات بين المسلمين والكفّار ، تشير إلى قضايا حساسة بالغة الأهمية ، وتحذر المؤمنين - ضمن تمثيل لطيف - بأن لا يتخذوا من الذين يفارقونهم في الدين والمسلك أصدقاء يسرون إليهم ويخبرونهم بأسرارهم ، وأن لا يطلعوا الأجانب على ما تحتفظ به صدورهم وما خفي من نواياهم وأفكارهم الخاصة بهم ، قال سبحانه : « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَاتَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ » . وهذا يعني أنّ الكفار لا يصلحون لمواصلة المسلمين ومصادقتهم ، كما لا يصلحون بأن يكونوا أصحاب سر لهم ، وذلك لأنّهم لا يتورعون عن الكيد والإيقاع بهم ما استطاعوا : « لَايَأْلُونَكُمْ خَبَالًا » « 1 » . فليست الصداقات والعلاقات بقادرة على أن تمنع أولئك الكفار - بسبب ما يفارقون به المسلمين في العقيدة والمسلك - من إضمار الشر للمسلمين ، وتمني الشقاء والعناء لهم « وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ » . أي أحبوا في ضمائرهم ودخائل نفوسهم لو أصابكم العنت والعناء . إنّهم - لإخفاء ما يضمرونه تجاهكم - يحاولون دائماً أن يراقبوا تصرفاتهم ، وأحاديثهم كيلا يظهر ما يبطنونه من شر وبغض لكم ، بيد أنّ آثار ذلك العداء والبغض تظهر أحياناً في أحاديثهم وكلماتهم ، عندما تقفز منهم كلمة أو أخرى تكشف عن الحقد الدفين والحنق المستكن في صدورهم : « قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ » . وقد أوضح اللَّه سبحانه في هذه الآية إحدى سبل التعرف على بواطن الأعداء ودخائل نفوسهم ، ثم إنّه سبحانه يقول : « وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ » . أي أنّ ما يبدو من أفواههم ما هي إلّاشرارة تحكي عن تلك النار القوية الكامنة في صدورهم . ثم إنّه تعالى يضيف قائلًا : « قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْأَيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ » . أي أنّ ما ذكرناه من الوسيلة للتعرف على العدو أمر في غاية الأهمية لو كنتم تتدبرون فيه ، فهو يوقفكم على وسيلة جداً فعالة لمعرفة ما يكنّه الآخرون ويضمرونه تجاهكم ، وهو أمر في غاية الخطورة بالنسبة لأمنكم وحياتكم وبرامجكم .

--> ( 1 ) « الخبال » : في الأصل بمعنى ذهاب شيء وهي تطلق في الأغلب على الأضرار التي تؤثر على عقل الإنسان وتلحق به الضرر .