الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
285
مختصر الامثل
لا شك أنّ هذا المنطق كان أخطر بكثير من مجرد خيانة الأمانة ، لأنّهم كانوا يرون هذا حقّاً من حقوقهم ، فيشير القرآن إلى هذا قائلًا : « وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ » . هؤلاء يعلمون أنّه ليس في كتبهم السماوية أيّ شيء من هذا القبيل بحيث يجيز لهم خيانة الناس في أموالهم ، ولكنهم لتسويغ أعمالهم القبيحة راحوا يختلقون الأكاذيب وينسبونها إلى اللَّه . الآية التالية تنفي مقولة اليهود : « لَيْسَ عَلَيْنَا فِى الْأُمّيّينَ سَبِيلٌ » التي قرّروا فيها لأنفسهم حرية العمل ، فاستندوا إلى هذا الزعم المزيّف للإعتداء على حقوق الآخرين بدون حق ، حيث يتلاعبون بمصائر شعوب العالم ، ولا يتورّعون عن ارتكاب كل اعتداء على حقوق الإنسان ، ويرون القوانين مجرد ألعوبة بيدهم لتحقيق مصالحهم ، فتقول : « بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ » . تقرر هذه الآية أنّ مقياس الشخصية والقيمة الإنسانية ومحبة اللَّه يتمثّل في الوفاء بالعهد وفي عدم خيانة الأمانة خاصة ، وفي التقوى بشكل عام . إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 77 ) سبب النّزول في تفسير مجمع البيان : نزلت في جماعة من أحبار اليهود أبي رافع ، وكنانة بن أبي الحقيق ، وحيي بن الأخطب ، وكعب بن الأشرف ، كتموا ما في التوراة من أمر محمّد وكتبوا بأيديهم غيره ، وحلفوا أنّه من عند اللَّه ، لئلا تفوتهم الرياسة وما كان لهم على أتباعهم . التّفسير تشير الآية إلى جانب آخر من آثام اليهود وأهل الكتاب ، ولكونها وردت بصيغة عامة ، فإنّها تشمل كل من تنطبق عليه هذه الصفات . تقول الآية : « إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا » . أي الذين يجعلون عهودهم مع اللَّه والقسم باسمه المقدس موضع بيع وشراء لقاء مبالغ مادية ، سيكون جزاءهم خمس عقوبات :