الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

28

مختصر الامثل

سَمْعِهِمْ وَعَلَى أبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ » ولذلك استحقوا أن يكون « وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ » . الإنسان قابل للهداية طبعاً - إن لم يصل إلى هذه المرحلة - مهما بلغ به الضلال ، أمّا حينما يبلغ في درجة يفقد معها حسّ التشخيص « فلات حين نجاة » لأنّه افتقد أدوات الوعي والفهم ، ومن الطبيعي أن يكون في إنتظاره عذاب عظيم . بحوث 1 - سلب قدرة التشخيص ومسألة الجبر : أوّل سؤال يطرح في هذا المجال يدور حول مسألة الجبر ، التي قد تتبادر إلى الأذهان من قوله تعالى : « خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ » . فهذا الختم يفيد بقاء هؤلاء في الكفر إجباراً ، دون أن يكون لهم اختيار في الخروج من حالتهم هذه ، أليس هذا بجبر ؟ القرآن الكريم يجيب على هذه التساؤل ويقول : إنّ هذا الختم وهذا الحجاب هما نتيجة إصرار هؤلاء ولجاجهم وتعنّتهم أمام الحق ، واستمرارهم في الظلم والطغيان والكفر ، يقول تعالى : « بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ » « 1 » . هذه الحالة التي تصيب الإنسان ، هي ردّ فعل لأعمال الإنسان نفسه . من المظاهر الطبيعية في الموجود البشري ، أنّ الإنسان لو تعوّد على انحراف واستأنس به ، يتخذ في المرحلة الأولى ماهية ال « حالة » ثم يتحول إلى « عادة » وبعدها يصبح « ملكة » وجزء من تكوين الإنسان حتى يبلغ أحياناً درجة لا يستطيع الإنسان أن يتخلّى عنها أبداً . لكن الإنسان اختار طريق الانحراف هذا عن علم ووعي ، ومن هنا كان هو المسؤول عن عواقب أعماله ، دون أن يكون في المسألة جبر ، تماماً مثل شخص فقأ عينيه وسدّ أذنيه عمداً ، كي لا يسمع ولا يرى . ولو رأينا أنّ الآيات تنسب الختم وإسدال الغشاوة إلى اللَّه ، فذلك لأنّ اللَّه هو الذي منح الانحراف مثل هذه الخاصية . ( تأمّل بدقّة ) . 2 - الختم على القلوب : في الآيات المذكورة وآيات أخرى عبّر القرآن عن عملية سلب حسّ التشخيص والإدراك الواقعي للأفراد بالفعل « ختم » وأحياناً بالفعل « طبع » و « ران » . في اللغة « خَتَمَ » الإناء بمعنى سدّه بالطين أو غيره ، وأصلها من وضع الختم على الكتب

--> ( 1 ) سورة النّساء / 155 .