الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

275

مختصر الامثل

أمّا سبب تسمية تلامذة المسيح بالحواريين فقد ذكرت له احتمالات كثيرة ولكن الأقرب إلى الذهن وهو الوارد في أحاديث أئمة الدين ، هو لأنّهم فضلًا عن طهارة قلوبهم وصفاء أرواحهم ، كانوا دائبي السعي في تطهير الناس وتنوير أفكارهم وغسلهم من أدران الذنوب . إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ( 55 ) قلنا إنّ اليهود - بالتعاون مع بعض المسيحيين الخونة - قرّروا قتل السيد المسيح ، فأحبط اللَّه مكرهم ونجى نبيّه منهم ، في هذه الآية يذكر اللَّه نعمته على المسيح قبل وقوع الحادثة ، قائلًا : « إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنّى مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ » . من المعروف عند المفسرين ، بالاستناد إلى الآية ( 157 ) من سورة النساء ، أنّ المسيح لم يُقتل وأنّ اللَّه رفعه إلى السماء . ثم تضيف الآية : « وَمُطَهّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا » . هذا جانب آخر من خطاب اللَّه إلى المسيح ، والقصد من التطهير هنا هو إنقاذه من الكفار الخبثاء البعيدين عن الحق والحقيقة الذين كانوا يوجّهون إليه التهم الباطلة ، ويحوكون حوله المؤامرات ساعين إلى تلويث سمعته فنصر اللَّه دينه وطهّره من تلك التهم . « وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ القِيمَةِ » . وهذه بشارة يبشّر بها اللَّه المسيح وأتباعه لتشجيعهم على المضيّ في الطريق الذي اختاروه ، والواقع أنّ هذه واحدة من آيات الإعجاز ومن تنبّؤات القرآن الغيبية التي تقول إنّ أتباع المسيح سوف يسيطرون دائماً على اليهود الذين عادوا المسيح . وفي ختام الآية يقول تعالى : « ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ » . ويعني أنّ ما تقدم من الانتصارات والبشائر يتعلق بالحياة الدنيا أمّا المحكمة النهائية ونيل الجزاء الكامل فسيكون في الآخرة . فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ( 56 ) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ( 57 ) ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ( 58 )