الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

23

مختصر الامثل

ننتج من هذا التراب نفسه ألوان المصنوعات ، كذلك اللَّه سبحانه خلق من هذه الحروف الهجائية المتداولة ، موضوعات ومعان سامية ، في قوالب لفظية جميلة ، وعبارات موزونة ، وأسلوب خاص ، وهذه الحروف الهجائية موجودة تحت تصرف الإنسان ، لكنه عاجز عن صنع جمل وعبارات شبيهة بالقرآن . الأدب في العصر الجاهلي : من المهم أن نذكر هنا أنّ العصر الجاهلي كان عصراً ذهبياً للأدب العربي . فالوثائق المتوفرة بأيدينا تشير إلى أنّ العرب الحفاة الجفاة الجاهليين ، كانوا يتمتعون بذوق أدبي رفيع . وكان للأدب سوق رائجة تدلّ على اهتمام العرب بلغتهم وآدابهم ، و ( سوق عكاظ ) وأمثالها من الأسواق الأدبية تعكس هذا الاهتمام بوضوح . والسوق المذكور كان يشهد - إضافة إلى المعاملات الاقتصادية والقضايا الاجتماعية - حركة أدبية تعرض خلالها أفضل مقطوعات الشعر والنثر ، ويتم فيها انتخاب أفضل ما قيل من النظم خلال العام ، وكانت القصيدة الفائزة تعدّ فخراً كبيراً للشاعر ولقبيلته . في مثل هذا العصر من الإنتعاش الأدبي ، يتحدى القرآن الناس أن يأتوا بمثله ، ولكنهم عجزوا . الشاهد الناطق على هذا المنحى من تفسير الحروف المقطعة ، حديث في تفسير البرهان عن الإمام علىّ بن الحسين عليه السلام حيث يقول : « كذّبت قريش واليهود بالقرآن وقالوا هذا سحر مبين ، تقوّله ، فقال اللَّه : « ألم * ذلِكَ الْكِتَابُ » أي يا محمّد ، هذا الكتاب الّذي أنزلته عليك هو الحروف المقطّعة التي منها الف ولام وميم ، وهو بلغتكم وحروف هجائكم فأتوا بمثله إن كنتم صادقين واستعينوا على ذلك بسائر شهدائكم » . بعد البسملة وذكر الآية الأولى من سورة البقرة يقول تعالى : « ذلِكَ الْكِتَابُ لَارَيْبَ فِيهِ » . وقوله : « لَارَيْبَ فِيهِ » ليس ادعاء ، بل تقرير لحقيقة قرآنية مشهودة ، وهي أنّ القرآن يشهد بذاته على حقانيته . ومن المشهود أنّ مرّ العصور وكرّ الدهور لم يقلل من طراوة القرآن ، بل إنّ حقائق القرآن ، ازدادت وضوحاً بتطور العلوم وبانكشاف أسرار الكائنات ، وكلما ازداد العلم تكاملًا ازدادت آيات القرآن جلاء وسطوعاً .