الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
134
مختصر الامثل
رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ » . هذه النعم الطيّبة المحلّلة المتناسبة مع الفطرة الإنسانية السليمة قد خلقت لكم ، فلم لا تستفيدون منها ؟ الآية التالية تبين بعض ألوان الأطعمة المحرمة ، وتقول : « إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ » . ولما كانت بعض الضرورات تدفع الإنسان إلى تناول الأطعمة المحرمة حفظاً لحياته ، فقد استثنت الآية هذه الحالة وقالت : « فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ » . ومن أجل أن تقطع الآية الطريق أمام من يتذرع بالاضطرار ، أكدت على كون المضطر « غير باغ » و « لا عاد » . و « الباغي » : هو الطالب ، والمراد هنا طالب اللذة و « العادي » : هو المتجاوز للحد ، أي المتجاوز حد الضرورة ، فالرخصة هنا إذن لمن لا يريد اللذة في تناول هذه الأطعمة ، ولا يتجاوز حد الضرورة اللازمة لنجاته من الموت . وفي الختام تقول الآية : « إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ » . فإنّ اللَّه الذي حرّم تلك الأطعمة أباح تناولها في موارد الضرورة برحمته الخاصة . إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 174 ) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ( 175 ) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ( 176 ) سبب النّزول المعنى في هذه الآية أهل الكتاب بإجماع المفسرين ؛ إلّاأنّها متوجهة على قول كثير منهم إلى جماعة قليلة من اليهود وهم علماؤهم ككعب بن الأشرف وحيي بن أخطب وكعب بن أسد . وكانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا ويرجون كون النبي منهم . فلما بعث من غيرهم خافوا زوال مأكلتهم فغيّروا صفته فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية . التّفسير إدانة كتمان الحق مرة أخرى : هذه الآيات تأكيد على ما مرّ في الآية ( 159 ) بشأن كتمان