الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

135

مختصر الامثل

الحق . الآية الأولى تقول : « إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ » . هذه الهدايا والعطايا التي ينالونها من هذا الطريق نيران محرقة تدخل بطونهم . ثم تتعرض الآية إلى عقاب معنوي سينال هؤلاء أشد من العقاب المادي ، وتقول : « وَلَا يُكَلّمُهُمُ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيمَةِ وَلَا يُزَكّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ » . يستفاد من هذه الآية والآية التالية أنّ واحدة من أعظم المواهب الإلهيّة في الآخرة أن يكلّم اللَّه المؤمنين تلطفاً بهم . أي : إنّ المؤمنين سينالون في الآخرة نفس المنزلة التي نالها أنبياء اللَّه في الدنيا وأية لذة أعظم من هذه اللذة ! بديهي أنّ تكليم اللَّه عباده بمعني إنّه بقدرته الواسعة يخلق في الفضاء أمواجاً صوتية خاصة قابلة للسمع والإدراك ، ( كما كلّم اللَّه موسى عند جبل الطور ) ، أو أنّه يتكلم مع خاصة عباده بلسان القلب عن طريق الإلهام . وقد يسأل سائل عن تكليم اللَّه المجرمين يوم القيامة ، استناداً إلى ما ورد في الآيات كقوله تعالى : « قَالَ اخْسُوا فِيهَا وَلَا تُكَلّمُونِ » « 1 » . والجواب : أنّ المقصود من التكليم في آيات بحثنا ، هو تكليم عن لطف وحب واحترام ، لا عن تحقير وطرد وعقوبة فذلك من أشد الجزاء . الآية التالية تحدد وضع هذه المجموعة وتبين نتيجة صفقتها الخاسرة وتقول : « أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّللَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ » . فهؤلاء خاسرون من ناحيتين : من ناحية تركهم الهداية واختيار الضلالة ، ومن ناحية حرمانهم من رحمة اللَّه واستحقاقهم بدل ذلك العقاب الإلهي ، وهذه مبادلة لا يقدم عليها إنسان عاقل . لذلك تتحدث الآية عن هؤلاء بلغة التعجب وتقول : « فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ » . آخر آية في بحثنا تقول إنّ ذلك التهديد والوعيد بالعذاب لكاتمي الحق ، يعود إلى أنّ اللَّه أنزل القرآن بالدلائل الواضحة ، حتى لم تبق شبهة لأحد : « ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ » . مع ذلك فإنّ زمرة محرفة تعمد إلى كتمان الحقائق صيانة لمصالحها ، وتثير الاختلاف في الكتاب السماوي لتتصيد في الماء العكر .

--> ( 1 ) سورة المؤمنون / 108 .