الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
126
مختصر الامثل
2 - من أسرار السعي بين الصفا والمروة : إبراهيم عليه السلام بلغه الكبر ولم يُرزق ولداً ، فدعى ربّه أن لا يتركه فرداً ، فاستجاب له ، ورزقه من جاريته هاجر ولداً سماه « إسماعيل » . لم تستطع « سارة » زوجته الأولى أن تطيق الحالة الجديدة ، وقد رزق إبراهيم ولداً من غيرها ، فأمر اللَّه إبراهيم أن يهاجر بالطفل والأم إلى مكة حيث الأرض القاحلة المجدبة آنذاك ، ويسكنهما هناك . امتثل إبراهيم أمر ربّه ، وذهب بهما إلى صحراء مكة وأسكنهما فيتلك الأرض ، وهمّ بالرجوع ، فضجّت زوجته بالبكاء ، إذ كيف تستطيع أن تعيش امرأة وحيدة مع طفل رضيع في مثل هذه الأرض ؟ بكاء هاجر ومعه بكاء الطفل الرضيع هزّ إبراهيم من الأعماق ، لكنه لم يزد على أن ناجى ربّه قائلًا : « رَّبَّنَا إِنّى أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَوةَ فَاجْعَلْ أَفِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ وَارْزُقهُمْ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ » « 1 » . ثم ودّع زوجه وطفله بحزن وألم عميقين . لم يمض وقت طويل حتى نفذ طعام الام وماؤها ، وجفّ لبنها ، بكاء الطفل أضرم في نفس الأم ناراً ، ودفعها لأن تبحث بقلق واضطراب عن الماء ، اتجهت أولًا إلى جبل « الصفا » فلم تجد للماء أثراً ، لَفت نظرها بريق ماء عند جبل « المروة » فأسرعت إليه فوجدته سراباً ، ثم رأت عند المروة بريقاً لدى الصفا أسرعت إليه فما وجدت شيئاً ، وهكذا جالت سبع مرات بين الصفا والمروة بحثاً عن الماء ، وفي النهاية ، وبعد أن أشرف الطفل على الموت ، انفجرت عند رجله فجأة عين زمزم ، فشرب الطفل وأمه ونجيا من الموت المحقق . في الصفا والمروة درس في التضحية بكل غال ونفيس ، حتى بالطفل الرضيع ، من أجل المبدأ والعقيدة . السعي بينهما يعلمنا أن نعيش دائماً أمل النجاح والانتصار . السعي بين الصفا والمروة يقول لنا : اعرفوا قدر نعمة هذا الدين وهذا المركز التوحيدي ، فثمة أفراد حفظوا الشريعة وشعائرها لنا بدمائهم على مرّ التاريخ . من أجل إحياء كل تلك الأحاسيس والمشاعر في النفوس ، أمر اللَّه الحجيج أن يسعوا سبع مرات بين الصفا والمروة .
--> ( 1 ) سورة إبراهيم / 37 .