الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

127

مختصر الامثل

أضف إلى ما تقدم أنّ السعي يقضي على كبر الإنسان وغروره ، فلا أثر للتبختر والتصنع في السعي ، بل لابد من قطع هذه المسافة ذهاباً ومجيئاً مع كافة الناس ، وبنفس لباس الناس ، وبهرولة أحياناً ! ولذلك ورد في الروايات أنّ السعي إيقاظ للمتكبرين . إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ( 159 ) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 160 ) سبب النّزول في الدر المنثور عن ابن عباس قال : سأل « معاذ بن جبل » و « سعد بن معاذ » و « خارجة بن زيد » نفراً من أحبار يهود عن بعض ما في التوراة ( قد ترتبط بظهور النبي الخاتم ) فكتموهم إيّاه وأبوا أن يخبروهم فأنزل اللَّه فيهم « إنّ الذين يكتمون ما أنزلنا » الآية . التّفسير حرمة كتمان الحق : الآية - وإن خاطبت كما في سبب النزول ، علماء اليهود - غير محدودة بمخاطبيها ، بل تبين حكماً عاماً بشأن كاتمي الحق . الآية الكريمة تتحدث عن هؤلاء بشدة وتقول : « إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنهُ لِلنَّاسِ فِى الْكِتَابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللعِنُونَ » . كتمان الحقائق لا ينحصر دون شك في كتمان علامات النبوّة والبشائر بالنبي الخاتم صلى الله عليه وآله بل يشمل كتمان كل حقيقة تستطيع أن تدفع الناس إلى الفهم الصحيح بالمعنى الواسع لهذه الكلمة . ولما كان القرآن كتاب هداية ، فإنّه لا يغلق منافذ الأمل والتوبة أمام الأفراد ، ولا يقطع أملهم في العودة مهما ارتكسوا في الذنوب ، لذلك تبين الآية التالية طريق النجاة من هذا الذنب الكبير وتقول : « إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ » . ومن الملفت للنظر ، أنّ اللَّه لم يقل أنّه يقبل التوبة ممن تاب ، بل يقول : من تاب فأنا أيضاً أتوب عليه ، وهذه دالة على كثرة محبة اللَّه وسبق عطفه على عباده التائبين .