الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

123

مختصر الامثل

الدنيا دار اختبار إلهي : بعد ذكر مسألة الشهادة في سبيل اللَّه ، والحياة الخالدة للشهداء ، تعرضت هذه الآية للاختبار الإلهي العام ، ولمظاهره المختلفة ، باعتباره سنّة كونية لا تقبل التغيير « وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْضٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ » . ولما كان الإنتصار في هذه الاختبارات ، لا يتحقق إلّافي ظل الثبات والمقاومة ، قالت الآية بعد ذلك : « وَبَشّرِ الصَّابِرِينَ » . فالصابرون هم الذين يستطيعون أن يخرجوا منتصرين من هذه الامتحانات ، لا غيرهم . الآية التالية تعرّف الصابرين وتقول : « الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ » . الإقرار التام بالعبودية المطلقة للَّه ، يعلمنا أن لا نحزن على ما فاتنا ، لأنّه سبحانه مالكنا ومالك جميع ما لدينا من مواهب ، إن شاء منحنا إيّاها ، وإن استوجبت المصلحة أخذها منّا ، وفي المنحة والمحنة مصلحة لنا . والالتفات المستمر إلى حقيقة عودتنا إلى اللَّه سبحانه ، يشعرنا بزوال هذه الحياة ، وبأنّ نقص المواهب المادية ووفورها عرض زائل ، ووسيلة لارتقاء الإنسان على سلم تكامله ، فاستشعار العبودية والعودة في عبارة « إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ » له الأثر الكبير في تعميق روح المقاومة والاستقامة والصبر في النفس . وآخر آية في بحثنا هذا ، تتحدث عن الألطاف الإلهيّة الكبرى ، التي تشمل الصابرين الصامدين المتخرجين بنجاح من هذه الامتحانات الإلهيّة : « أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبّهِمْ وَرَحْمَةٌ » . هذه الصلوات والرحمة تجعل هؤلاء على بصيرة من أمرهم ، في مسيرتهم الحياتية المحفوفة بالمزالق والأخطار ، لذلك تقول الآية : « وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ » . بحوث 1 - لماذا الاختبار الإلهي ؟ أوّل ما يتبادر للذهن في هذا المجال هو سبب هذا الاختبار ، فنحن نختبر الأفراد لنفهم ما نجهله عنهم . فهل أنّ اللَّه سبحانه وتعالى بحاجة إلى مثل هذا الاختبار لعباده ، وهو العالم بكل الخفايا والأسرار ؟ وهل هناك شيء خفي عنه حتى يظهر له بهذا الامتحان ؟ والجواب أنّ مفهوم الاختبار الإلهي يختلف عن الاختبار البشري .