الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

124

مختصر الامثل

اختباراتنا البشرية تستهدف رفع الإبهام والجهل ، والاختبار الإلهي قصده « التربية » . في أكثر من عشرين موضعاً تحدث القرآن عن الاختبار الإلهى ، باعتباره سنّة كونية لا تنقص من أجل تفجير الطاقات الكامنة ونقلها من القوة إلى الفعل وبالتالي فالاختبار الإلهي من أجل تربية العباد . يقول سبحانه في الآية ( 154 ) من سورة آل عمران : « وَلِيَبْتَلِىَ اللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ » . ويقول أمير المؤمنين علي عليه السلام في بيان سبب الاختبارات الإلهيّة : « . . . وإن كان سبحانه أعلم بهم من أنفسهم ، ولكن لتظهر الأفعال الّتي بها يستحقّ الثواب والعقاب » « 1 » . أي : أنّ الصفات الكامنة لا يمكن أن تكون وحدها معياراً للثواب والعقاب ، فلابد أن تظهر من خلال أعمال الإنسان ، واللَّه يختبر عباده ليتجلى ما يضمرونه في أعمالهم ، ولكي تنتقل قابلياتهم من القوة إلى الفعل ، وبذلك يستحقون الثواب أو العقاب . 2 - الاختبار الإلهي عام : نظام الحياة في الكون نظام تكامل وتربية ، وكل الموجودات الحية تطوي مسيرة تكاملها ، حتى الأشجار تعبر عن قابلياتها الكامنة بالأثمار ، من هنا فإنّ كل البشر ، حتى الأنبياء ، مشمولون بقانون الاختبار الإلهي كي تنجلي قدراتهم . الإمتحانات تشمل الجميع ولا يجرى عن طريق الحوادث الصعبة القاسية فحسب ، بل قد يمتحن اللَّه عبده بالخير وبوفور النعمة . 3 - عوامل النجاح في الامتحان : هنا يتعرض الإنسان لاستفهام آخر ، وهو أنّه إذا كان القرار أن يتعرض جميع أفراد البشر للامتحان الإلهي ، فما هو السبيل لاحراز النجاح والتوفيق في هذا الامتحان ؟ القرآن يعرض هذه السبل في القسم الأخير من آية بحثنا وفي آيات أخرى : أ ) أهمّ عامل للانتصار أشارت إليه الآية بعبارة : « وَبَشّرِ الصَّابِرِينَ » . فالآية تبشّر بالنجاح أولئك الصابرين المقاومين ، ومؤكدة أنّ الصبر رمز الإنتصار . ب ) الالتفات إلى أنّ نكبات الحياة ومشاكلها مهما كانت شديدة وقاسية فهي مؤقّتة وعابرة وهذا الإدراك يجعل كل المشاكل والصعاب عرضاً عابراً وسحابة صيف ، وهذا المعنى تضمنته عبارة : « إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ » .

--> ( 1 ) نهج البلاغة ، الكلمات القصار ، الكلمة 93 .