الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

115

مختصر الامثل

بدأوا يرددون : لو كانت القبلة الأولى هي الصحيحة فلِمَ هذا التغيير ؟ اللَّه سبحانه يجيب على هذا الاعتراض ، فأمر رسوله أن « قُلْ لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِى مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ » . فليس للمكان قداسة ذاتية ، إنّما يكتسب قداسته بإذن اللَّه ، وكل مكان ملك للَّه ، والمهم هو الطاعة والاستسلام لربّ العالمين . تغيير القبلة في الواقع مرحلة من مراحل الاختبار الإلهي ، وكل مرحلة خطوة على الصراط المستقيم نحو الهداية الإلهيّة . وَكَذلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ( 143 ) الأمة الوسط : هذه الآية تشير إلى جانب من أسباب تغيير القبلة ، تقول أوّلًا : « وَكَذلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا » . أي كما جعلنا القبلة وسطا ، كذلك جعلناكم أمة في حالة اعتدال . أما سبب كون قبلة المسلمين قبلة وسطاً ، فلأنّ النصارى - الذين يعيش معظمهم في غرب الكرة الأرضية - يولون وجوههم صوب الشرق تقريباً حين يتجهون إلى قبلتهم في بيت المقدس حيث مسقط رأس السيد المسيح ، واليهود - الذين يتواجدون غالباً في الشامات وبابل - يتجهون نحو الغرب تقريباً حين يقفون تجاه بيت المقدس . أمّا « الكعبة » فكانت بالنسبة للمسلمين في المدينة تجاه الجنوب ، وبين المشرق والمغرب ، وفي خط وسط . والهدف من ذلك : « لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا » . و « شهادة » الامّة المسلمة على الناس ، و « شهادة » النبي على المسلمين ، قد تكون إشارة إلى الأسوة والقُدوَة ، لأنّ الشاهد ينتخب من بين أزكى الناس وأمثلهم . فيكون معنى هذا التعبير القرآني أنّ الأمة المسلمة نموذجية بما عندها من عقيدة ومنهج ، كما أنّ النبي صلى الله عليه وآله فرد نموذجي بين أبناء الامّة .