الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
116
مختصر الامثل
ثم تشير الآية إلى سرّ آخر من أسرار تغيير القبلة فتقول : « وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِى كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ » . ثم تضيف الآية : « وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ » . لولا الهداية الإلهيّة ، لما وجدت في نفس الإنسان روح التسليم المطلق أمام أوامر اللَّه . وأمام وسوسة الأعداء المضللين والأصدقاء الجاهلين ، الذين راحوا يشككون في صحة ما سبق من العبادات قبل تغيير القبلة ، تقول الآية : « وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ » . أسرار تغيير القبلة : لما كانت الكعبة في بداية البعثة المباركة بيتاً لأصنام المشركين ، فقد امر المسلمون مؤقتاً بالصلاة تجاه بيتالمقدس ، ليتحقق الانفصال التام بين الجبهة الإسلامية وجبهة المشركين . وبعد الهجرة وإقامة الدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامي ، حدث الانفصال الكامل بين الجبهتين ، ولم تعد هناك ضرورة لاستمرار وضع القبلة ، حينئذ عاد المسلمون إلى الكعبة أقدم قاعدة توحيدية ، وأعرق مركز للأنبياء . ومن الطبيعي أن يستثقل الصلاة نحو بيت المقدس أولئك الذين كانوا يعتبرون الكعبة الرصيد المعنوي لقوميتهم ، وأن يستثقلوا أيضاً العودة إلى الكعبة بعد أن اعتادوا على قبلتهم الأولى ( بيت المقدس ) . المسلمون بهذا التحول وُضعوا في بوتقة الاختبار ، لتخليصهم مما علق في نفوسهم من آثار الشرك ، ولتنقطع كل انشداداتهم بماضيهم المشرك ، ولتنمو في وجودهم روح التسليم المطلق أمام أوامر اللَّه سبحانه . قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ( 144 ) كل الوجوه شطر الكعبة : هذه الآية تشير إلى الأمر الإلهي بتغيير القبلة وتقول : « قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى السَّمَاءِ فَلَنُوَلّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَيهَا فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ » .