الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
112
مختصر الامثل
وبذلك أرادت الآية أن توجه أنظار هؤلاء إلى أعمالهم وسلوكهم وأفكارهم ، وتصرفهم عن الانغماس في الافتخار بالماضين . وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 135 ) قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( 136 ) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 137 ) سبب النّزول في تفسير مجمع البيان عن ابن عباس : إنّ عبد اللَّه بن صوريا وكعب بن الأشرف ومالك بن الضيف وجماعة من اليهود ونصارى أهل نجران خاصموا أهل الإسلام . كل فرقة تزعم أحق بدين اللَّه من غيرها ، فقالت اليهود : نبيّنا موسى أفضل الأنبياء ، وكتابنا التوراة أفضل الكتب . وقالت النصارى : نبيّنا عيسى أفضل الأنبياء ، وكتابنا أفضل الكتب ، وكل فريق منهما قال للمؤمنين : كونوا على ديننا ، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية . التّفسير نحن على حق لا غيرنا : التمحور والانغماس في الذاتية يؤدي إلى أن يحتكر الإنسان الحق لنفسه ، ويعتبر الآخرين على باطل ، ويسعى إلى أن يجرهم إلى معتقداته . الآية الأولى تتحدث عن مجموعة من أهل الكتاب يحملون مثل هذه النظرة الضيقة ، ونقلت عنهم القول : « وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا » . فيرد عليهم القرآن مؤكداً أنّ الأديان المحرفة لا تستطيع إطلاقاً أن تهدي الإنسان : « قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ » . الآية التالية تأمر المسلمين أن « قُولُوا ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرهِيمَ وَإِسْمعِيلَ وَإِسْحقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِىَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِىَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبّهِمْ لَا نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ » . لا يجوز أن ننطلق من محور الذاتية في الحكم على هذا النبي أو ذاك ، بل يجب أن ننظر إلى