السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

14

مختصر الميزان في تفسير القرآن

والمراد بتحبيب الإيمان إليهم جعله محبوبا عندهم وبتزيينه في قلوبهم تحليته بجمال يجذب قلوبهم إلى نفسه فيتعلقون به ويعرضون عما يلهيهم عنه . وقوله : وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ عطف على « حَبَّبَ » وتكريه الكفر وما يتبعه إليهم جعلها مكروهة عندهم تتنفر عنها نفوسهم ، والفرق بين الفسوق والعصيان - على ما قيل - أن الفسوق هو الخروج عن الطاعة إلى المعصية ، والعصيان نفس المعصية وإن شئت فقل : جميع المعاصي ، وقيل : المراد بالفسوق الكذب بقرينة الآية السابقة والعصيان سائر المعاصي . وقوله : أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ بيان أن حب الإيمان والانجذاب اليه وكراهة الكفر والفسوق والعصيان هو سبب الرشد الذي يطلبه الإنسان بفطرته ويتنفر عن الغي الذي يقابله فعلى المؤمنين أن يلزموا الإيمان ويتجنبوا الكفر والفسوق والعصيان حتى يرشدوا ويتبعوا الرسول ولا يتبعوا أهواءهم . ولما كان حب الإيمان والانجذاب اليه وكراهة الكفر ونحوه صفة بعض من كان الرسول فيهم دون الجميع كما يصرّح به الآية السابقة ، وقد وصف بذلك جماعتهم تحفظا على وحدتهم وتشويقا لمن لم يتصف بذلك منهم غير السياق والتفت عن خطابهم إلى خطاب النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فقال : « أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ » والإشارة إلى من اتّصف بحب الإيمان وكراهة الكفر والفسوق والعصيان ، ليكون مدحا للمتصفين بذلك وتشويقا لغيرهم . واعلم أن في قوله : « وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ » إشعارا بأن قوما من المؤمنين كانوا مصرين على قبول نبإ الفاسق الذي تشير اليه الآية السابقة ، وهو الوليد بن عقبة أرسله النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى بني المصطلق لأخذ زكواتهم فجاء إليهم فلما رآهم هابهم ورجع إلى المدينة وأخبر النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنهم ارتدوا فعزم النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على قتالهم فنزلت الآية فانصرف وفي القوم بعض من يصرّ على أن يغزوهم . وسيجيء القصة في