السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

78

مختصر الميزان في تفسير القرآن

إلى الوجه الأول بالحقيقة . وكيف كان فالشيء بما أنه موجود مخلوق لا يتصف بالمساءة ويدل عليه الآية « الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ » إذا انضمّ إلى قوله : اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ( الزمر / 62 ) فينتجان أولا : أن الخلقة تلازم الحسن فكل مخلوق حسن من حيث هو مخلوق . وثانيا : ان كل سيئ وقبيح ليس بمخلوق من حيث هو سيئ قبيح كالمعاصي والسيئات من حيث هي معاص وسيئات والأشياء السيئة من جهة القياس . قوله تعالى : وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ المراد بالإنسان النوع فالمبدو خلقه من طين هو النوع الذي ينتهي أفراده إلى من خلق من طين من غير تناسل من أب وأم كآدم وزوجه عليهما السّلام ، والدليل على ذلك قوله بعده : ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ فالنسل الولادة بانفصال المولود عن الوالدين والمقابلة بين بدء الخلق وبين النسل لا يلائم كون المراد ببدء الخلق بدء خلق الإنسان المخلوق من ماء مهين ، ولو كان المراد ذلك لكان حق الكلام أن يقال : ثم جعله سلالة من ماء مهين فافهمه . وقوله : ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ السلالة كما في المجمع الصفوة التي تنسل أي تنزع من غيرها ويسمى ماء الرجل سلالة لانسلاله من صلبه ، والمهين من الهون وهو الضعف والحقارة وثم للتراخي الزماني . والمعنى : ثم جعل ولادته بطريق الانفصال من صفوة من ماء ضعيف أو حقير . قوله تعالى : ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ التسوية التصوير وتتميم العمل ، وفي قوله : « نَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ » استعارة بالكناية بتشبيه الروح بالنفس الذي يتنفس به ثم نفخه في قالب من سوّاه ، وإضافة الروح اليه تعالى إضافة تشريفية ، والمعنى : ثم صوّر الإنسان المبدو خلقه من الطين والمجعول نسله من سلالة من ماء مهين ونفخ فيه من روح شريف منسوب اليه تعالى .