السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
32
مختصر الميزان في تفسير القرآن
الآيات الدالة على أن كل عمل من كل عامل موقوف على اذنه تعالى قال تعالى : ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ ( الحشر / 5 ) وقال : ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ( التغابن / 11 ) وقال : وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ( الأعراف / 58 ) وقال : وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ( آل عمران / 145 ) وقال : وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ( يونس / 100 ) وقال : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ( النساء / 64 ) إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة . فعلى الانسان العارف بمقام ربه المسلم له ان لا يرى نفسه سببا مستقلا لفعله مستغنيا فيه عن غيره بل مالكا له بتمليك اللّه قادرا عليه باقداره وأن القوة للّه جميعا وإذا عزم على فعل ان يعزم متوكلا على اللّه قال تعالى : فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وإذا وعد بشيء وأخبر عما سيفعله أن يقيده باذن اللّه أو بعدم مشيته خلافه . وهذا المعنى هو الذي يسبق إلى الذهن المسبوق بهذا الحقيقة القرآنية إذا قرع بابه قوله تعالى : وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وخاصة بعد ما تقدم في آيات القصة من بيان توحده تعالى في ألوهيته وربوبيته وما تقدم قبل آيات القصة من كون ما على الأرض زينة لها سيجعله اللّه صعيدا جرزا . ومن جملة ما على الأرض افعال الانسان التي هي زينة جالبة للانسان يمتحن بها وهو يراها مملوكة لنفسه . وذلك ان قوله : « وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً » نهي عن نسبته فعله إلى نفسه ، ولا بأس بهذه النسبة قطعا فإنه سبحانه كثيرا ما ينسب في كلامه الافعال إلى نبيه وإلى غيره من الناس وربما يأمره ان ينسب افعالا إلى نفسه قال تعالى : فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ( يونس / 41 ) ، وقال : لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ ( الشورى / 15 ) . فأصل نسبة الفعل إلى فاعله مما لا ينكره القرآن الكريم وإنما ينكر دعوى الاستقلال في الفعل والاستغناء عن مشيته واذنه تعالى فهو الذي يصلحه الاستثناء أعني قوله : « إِلَّا أَنْ