السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
127
مختصر الميزان في تفسير القرآن
هو مكشوف علينا مشهود لنا : وظاهر قوله : « وَما خَلْفَنا » بالمقابلة ما هو غائب عنا مستور علينا . وعلى هذا فلو أريد بقوله : « ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ » المكان شمل بعض المكان الذي أمامهم والمكان الذي هم فيه وجميع المكان الذي خلفهم ولم يشمل كل مكان ، وكذا لو أريد به الزمان شمل الماضي كله والحال والمستقبل القريب فقط وسياق قوله : « لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ » ، ينادي بالإحاطة ولا يلائم التبعيض . فالوجه حمل « ما بَيْنَ أَيْدِينا » على الأعمال والآثار المتفرعة على وجودهم التي هم قائمون بها متسلطون عليها ، وحمل « ما خَلْفَنا » على ما هو من أسباب وجودهم مما تقدّمهم وتحقق قبلهم ، وحمل « ما بَيْنَ ذلِكَ » على وجودهم أنفسهم وهو من أبدع التعبير وألطفه وبذلك تتم الإحاطة الإلهية بهم من كل جهة لرجوع المعنى إلى أن اللّه تعالى هو المالك لوجودنا وما يتعلق به وجودنا من قبل ومن بعد . قوله تعالى : رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا صدر الآية أعني قوله : « رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما » تعليل لقوله في الآية السابقة : « لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا » إلى آخر الآية ؛ أي كيف لا يملك ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وكيف يكون نسيا وهو تعالى ربّ السماوات والأرض وما بينهما ؟ ورب الشيء هو مالكه ، المدبر لأمره ، فملكه وعدم نسيانه مقتضى ربوبيّته . وقوله : « فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ » تفريع على صدر الآية والمعنى إذا كنا لا نتنزل إلا بأمر ربك وقد نزلنا عليك هذا الكلام المتضمن للدعوة إلى عبادته فالكلام كلامه والدعوة دعوته فاعبده وحده واصطبر لعبادته فليس هناك من يسمّى ربا غير ربك حتى لا تصطبر على عبادة ربك وتنتقل إلى عبادة ذلك الغير الذي يسمّى ربا فتكتفي بعبادته عن عبادة ربك أو تشرك به وربما قيل : إن الجملة تفريع على قوله : « رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » أو على قوله :