الغزالي
7
إحياء علوم الدين
وتكون ثمرة السبب حاصلة وإن لم تحصل صورة السبب : والسبب يراد لثمرته لا لذاته ، وهذه الصفات المهلكات تنقلب مؤذيات ومؤلمات في النفس عند الموت ، فتكون آلامها كآلام لدغ الحيّات من غير وجود حيّات . وانقلاب الصفة مؤذية يضاهي انقلاب العشق مؤذيا عند موت المعشوق ، فإنه كان لذيذا فطرأت حالة صار اللذيذ بنفسه مؤلما ، حتى يرد بالقلب من أنواع العذاب ما يتمنى معه أن لم يكن قد تنعم بالعشق والوصال . بل هذا بعينه هو أحد أنواع ، عذاب الميت ، فإنه قد سلط العشق في الدنيا على نفسه ، فصار يعشق ماله ، وعقاره ، وجاهه ، وولده ، وأقاربه ، ومعارفه ، ولو أخذ جميع ذلك في حياته من لا يرجو ، استرجاعه منه فما ذا ترى يكون حاله ؟ ليس يعظم شقاؤه ، ويشتد عذابه ، ويتمنى ويقول ليته لم يكن لي مال قط ، ولا جاه قط ، فكنت لا أتأذى بفراقه ؟ فالموت عبارة عن مفارقة المحبوبات الدنيوية كلها دفعه واحدة ما حال من كان له واحد غيب عنه ذلك الواحد فما حال من لا يفرح إلا بالدنيا ، فتؤخذ منه الدنيا وتسلَّم إلى أعدائه ، ثم ينضاف إلى هذا العذاب تحسّره على ما فاته من نعيم الآخرة ، والحجاب عن الله عز وجل ، فإن حب غير الله يحجبه عن لقاء الله والتنعم به ، فيتوالى عليه ألم فراق جميع محبوباته ، وحسرته على ما فاته من نعيم الآخرة أبد الآباد ، وذل الرد والحجاب عن الله تعالى ، وذلك هو العذاب الذي يعذّب به ، إذ لا يتبع نار الفراق إلا نار جهنم ، كما قال تعالى * ( كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ ) * « 1 » وأما من لم يأنس بالدنيا ، ولم يحب إلا الله ، وكان مشتاقا إلى لقاء الله ، فقد تخلص من سجن الدنيا ومقاسات الشهوات فيها ، وقدم على محبوبه ، وانقطعت عنه العوائق والصوارف ، وتوفر عليه النعيم مع الأمن من الزوال أبد الآباد ، ولمثل ذلك فليعمل العاملون والمقصود أن الرجل قد يحب فرسه بحيث لو خيّر بين أن يؤخذ منه وبين أن تلدغه عقرب ، آثر الصبر على لدغ العقرب . فإذا ألم فراق الفرس عنده أعظم من لدغ العقرب ، وحبة للفرس هو الذي يلدغه إذا أخذ منه فرسه ، فليستعد لهذه اللدغات ، فإن الموت يأخذ
--> « 1 » التطفيف : 15 ، 16