الغزالي

8

إحياء علوم الدين

منه فرسه ، ومركبه ، وداره ، وعقاره ، وأهله ، وولده ، وأحبابه ، ومعارفه ، ويأخذ منه جاهه وقبوله ، بل يأخذ منه سمعه ، وبصره ، وأعضاءه ، وييأس من رجوع جميع ذلك إليه . فإذا لم يحب سواه ، وقد أخذ جميع ذلك منه ، فذلك أعظم عليه من العقارب والحيّات . وكما لو أخذ ذلك منه وهو حي فيعظم عقابه ، فكذلك إذا مات ، لأنا قد بيّنا أن المعنى الذي هو المدرك للآلام واللذات لم يمت ، بل عذابه بعد الموت أشد ، لأنه في الحياة يتسلى بأسباب يشغل بها حواسه من مجالسة ومحادثة ، ويتسلى برجاء العود إليه ، ويتسلى برجاء العوض منه ، ولا سلوة بعد الموت ، إذ قد انسد عليه طرق التسلي ، وحصل اليأس ، فإذا كلّ قميص له ومنديل قد أحبه بحيث كان يشق عليه لو أخذ منه فإنه يبقى متأسفا عليه ، ومعذبا به . فإن كان مخفا في الدنيا سلم ، وهو المعني بقولهم نجا المخفون . وإن كان مثقلا عظم عذابه وكما أن حال من يسرق منه دينار أخف من حال من يسرق منه عشرة دنانير ، فكذلك حال صاحب الدرهم أخف من حال صاحب الدرهمين . وهو المعني بقوله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « صاحب الدّرهم أخفّ حسابا من صاحب الدّرهمين » وما من شيء من الدنيا يتخلف عنك عند الموت إلا وهو حسرة عليك بعد الموت ، فإن شئت فاستكثر ، وإن شئت فاستقلل . فإن استكثرت فلست بمستكثر إلا من الحسرة ، وإن استقللت فلست تخفف إلا عن ظهرك . وإنما تكثر الحيّات والعقارب في قبور الأغنياء الذين استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة ، وفرحوا بها ، واطمأنوا إليها فهذه مقامات الإيمان في حيّات القبر وعقاربه ، وفي سائر أنواع عذابه رأى أبو سعيد الخدري ابنا له قد مات في المنام ، فقال له يا بني عظني . قال لا تخالف الله تعالى فيما يريد . قال يا بني زدني قال يا أبت لا تطيق . قال قل ، قال لا تجعل بينك وبين الله قميصا . فما لبس قميصا ثلاثين سنة فإن قلت : فما الصحيح من هذه المقامات الثلاث ؟ فاعلم أن في الناس من لم يثبت إلا الأول وأنكر ما بعده . ومنهم من أنكر الأول وأثبت الثاني . ومنهم من لم يثبت إلا الثالث . وإنما الحق الذي انكشف لنا بطريق الاستبصار أن كل ذلك في حيز الإمكان ، وأن من ينكر