الغزالي
6
إحياء علوم الدين
عددها لا يوقف عليه إلا بنور النبوة . فأمثال هذه الأخبار لها ظواهر صحيحة ، وأسرار خفيّة ، ولكنها عند أرباب البصائر واضحة . فمن لم تنكشف له حقائقها فلا ينبغي أن ينكر ظواهرها . بل أقل درجات الإيمان التصديق والتسليم فإن قلت : فنحن نشاهد الكافر في قبره مدة ونراقبه ، ولا نشاهد شيئا من ذلك ، فما وجه التصديق على خلاف المشاهدة ؟ فاعلم أن لك ثلاث مقامات في التصديق بأمثال هذا : أحدها : وهو الأظهر والأصح والأسلم ، أن تصدق بأنها موجودة ، وهي تلدغ الميت ، ولكنك لا تشاهد ذلك ، فإن هذه العين لا تصلح لمشاهدة الأمور الملكوتية ، وكل ما يتعلق بالآخرة فهو من عالم الملكوت . أما ترى الصحابة رضي الله عنهم كيف كانوا يؤمنون بنزول جبريل ، وما كانوا يشاهدونه ، ويؤمنون بأنه عليه السلام يشاهده ؟ فإن كنت لا تؤمن بهذا فتصحيح أصل الإيمان بالملائكة والوحي أهم عليك . وإن كنت آمنت به ، وجوّزت أن يشاهد التي ما لا تشاهده الأمة ، فكيف لا تجوّز هذا في الميت ؟ وكما أن الملك لا يشبه الآدميين والحيوانات ، فالحيات والعقارب التي تلدغ في القبر ليست من جنس حيات عالمنا ، بل هي جنس آخر ، وتدرك بحاسة أخرى المقام الثاني : أن تتذكر أمر النائم ، وأنه قد يرى في نومه حية تلدغه ، وهو يتألم بذلك ، حتى تراه يصبح في نومه ، ويعرق جبينه ، وقد ينزعج من مكانه . كل ذلك يدركه من نفسه ، ويتأذى به كما يتأذى اليقظان ، وهو يشاهده ، وأنت ترى ظاهره ساكنا ، ولا ترى حواليه حية ، والحية موجودة في حقه ، والعذاب حاصل ، ولكنه في حقك غير مشاهد . وإذا كان العذاب في ألم اللدغ ، فلا فرق بين حية تتخيل أو تشاهد المقام الثالث : أنك تعلم أن الحية بنفسها لا تؤلم ، بل الذي يلقاك منها وهو السم . ثم السم ليس هو الألم ، بل عذابك في الأثر الذي يحصل فيك من السم . فلو حصل مثل ذلك الأثر من غير سم لكان العذاب قد توفر ، وكان لا يمكن تعريف ذلك النوع من العذاب إلا بأن يضاف إلى السبب الذي يفضي إليه في العادة . فإنه لو خلق في الإنسان لذة الوقاع مثلا من غير مباشرة صورة الوقاع ، لم يمكن تعريفها إلا بالإضافة إليه ، لتكون الإضافة للتعريف بالسبب ،