الغزالي

43

إحياء علوم الدين

أسود فيلقطهم لقط الطير الحب ، وينطوى عليهم ويلقيهم في النار فتبتلعهم النار ، وينادى عليهم شقاوة لا سعادة بعدها . وقسم آخر لا سيئة لهم ، فينادى مناد ليقم الحمادون لله على كل حال ، فيقومون ويسرحون إلى الجنة ، ثم يفعل ذلك بأهل قيام الليل ، ثم بمن لم تشغله تجارة الدنيا ولا بيعها عن ذكر الله تعالى ، وينادى عليهم سعادة لا شقاوة بعدها . ويبقى قسم ثالث ، وهم الأكثرون ، خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ، وقد يخفى عليهم ولا يخفى على الله تعالى أن الغالب حسناتهم أو سيئاتهم ، ولكن يأبى الله إلا أن يعرفهم ذلك ليبين فضله عند العفو ، وعدله عند العقاب . فتتطاير الصحف والكتب منطوية على الحسنات والسيئات ، وينصب الميزان ، وتشخص الأبصار إلى الكتب أتقع في اليمين أو في الشمال ، ثم إلى لسان الميزان أيميل إلى جانب السيئات أو إلى جانب الحسنات ، وهذه حالة هائلة تطيش فيها عقول الخلائق وروى [ 1 ] الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان رأسه في حجر عائشة رضي الله عنها ، فنعس ، فذكرت الآخرة فبكت حتى سال دمعها . فنقط على خد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فانتبه فقال « ما يبكيك يا عائشة » قالت ذكرت الآخرة ، هل تذكرون أهليكم يوم القيامة ؟ قال « والَّذي نفسي بيده في ثلاث مواطن فإنّ أحدا لا يذكر إلَّا نفسه إذا وضعت الموازين ووزنت الأعمال متى ينظر ابن آدم أيخفّ ميزانه أم يثقل وعند الصّحف حتّى ينظر أبيمينه يأخذ كتابه أو بشماله وعند الصّراط » وعن أنس قال : يؤتى با بن آدم يوم القيامة حتى يوقف بين كفتي الميزان ، ويوكل به ملك ، فإن ثقل ميزانه نادى الملك بصوت يسمع الخلائق : سعد فلان سعادة