السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
83
مختصر الميزان في تفسير القرآن
وليس إلّا لمكان أن يستشهد في هذه الآية بما لا يمتنعون من تصديقه . فهذه الآية في القاء الحجّة على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم وزانها وزان قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ ( الشعراء / 197 ) في القاء الحجّ إلى الناس . على أنّ السورة من أوائل السور النازلة بمكّة ، ولم تشتد الخصومة يومئذ بين المسلمين وأهل الكتاب وخاصة اليهود اشتدادها بالمدينة ، ولم يركبوا بعد من العناد واللجاج ذاك المركب الصعب الذي ركبوه بعد هجرة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، ونشوب الحروب بينهم وبين المسلمين حتى بلغوا المبلغ الذي قالوا : ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ( الأنعام / 91 ) . فهذا ما يعطيه سياق الآية من المعنى ، وأظنك إن أمعنت في تدبر الآية وسائر الآيات التي تناسبها مما يخاطب النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم بحقية ما نزل اليه من ربه ، ويتحدى على البشر بعجزهم عن إتيان مثله ، وما يصف النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم أنه على بصيرة من أمره ، وأنه على بينة من ربه أقنعك ذلك فيما قدمناه من المعنى ، وأغناك عن التمحلات التي ارتكبوها في تفسير الآية بما لا جدوى في نقلها والبحث عنها . قوله تعالى : وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ نهي عن الارتياب والامتراء أولا ثم ترقى إلى النهي عن التكذيب بآيات اللّه وهو العناد مع الحق استكبارا على اللّه فإن الآية لا تكون آية إلّا مع وضوح دلالتها وظهور بيانها وتكذيب ما هذا شأنه لا يكون مبنيا إلّا على العناد واللجاج . وقوله : فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ تفريع على التكذيب بآيات اللّه فهو نتيجته وعاقبته فهو المنهي عنه بالحقيقة . والمعنى : ولا تكن من الخاسرين ، والخسران زوال رأس المال بانتقاصه أو ذهاب جميعه ، وهو الإيمان باللّه وآياته الذي هو رأس مال الإنسان في سعادة حياته في الدنيا والآخرة على ما يستفاد من الآية التالية حيث يعلل خسرانهم أنهم لا يؤمنون .