السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

84

مختصر الميزان في تفسير القرآن

قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ الخ ؛ تعليل للنهي السابق ببيان ما للمنهي عنه من الشأن فإن أصل النظم بحسب المعنى المستفاد من السياق أن يقال : لا تكونن من المكذّبين لأن المكذّبين لا يؤمنون فيكونون خاسرين لأن رأس مال السعادة هو الإيمان فوضع قوله : « الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ » موضع « المكذبين » للدلالة على سبب الحكم وأن المكذّبين إنما يخسرون لأن كلمة اللّه سبحانه تحق عليهم فالأمر على كل حال إلى اللّه سبحانه . والكلمة الإلهية التي حقت على المكذّبين بآيات اللّه هي قوله يوم شرع الشريعة العامة لآدم وزوجته فمن بعدهما من ذريتهما : قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً - إلى قوله - وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( البقرة / 39 ) . وهذا هو الذي يريده بقوله في مقام بيان سبب خسران المكذّبين : « إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ » وهم المكذّبون حقت عليهم كلمة العذاب فهم « لا يُؤْمِنُونَ » ولذلك كانوا خاسرين لأنهم ضيعوا رأس مال سعادتهم وهو الإيمان فحرموه وحرموا بركاته في الدنيا والآخرة ، وإذ حق عليهم أنهم لا يؤمنون فلا سبيل لهم إلى الإيمان ولو جاءتهم كل آية « حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ » ولا فائدة في الإيمان الاضطراري . قوله تعالى : فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ الخ ؛ ظاهر السياق أن لولا للتحضيض ، وأن المراد بقوله : « آمَنَتْ » الإيمان الاختياري الصحيح كما يشعر به قوله بعده : « فَنَفَعَها إِيمانُها » ولوقوع التحضيض على أمر ماض لم يتحقق أفادت الجملة معنى اليأس المساوق للنفي فاستقام الاستثناء الذي في قوله : « إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ » . والمعنى : هلّا كانت قرية - من هذه القرى التي جاءتهم رسلنا فكذبوهم - آمنت قبل نزول العذاب إيمانا اختياريا فنفعها إيمانها . لا ولم يؤمن إلّا قوم يونس لما آمنت كشفنا عنهم عذاب