السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
82
مختصر الميزان في تفسير القرآن
وهذا لا يستلزم وجود ريب في قلب النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ولا تحقّق شك منه فانّ هذا النوع من الخطاب كما يصحّ أن يخاطب من يجوز عليه الريب والشك كذلك يصحّ أن يخاطب به من هو على يقين من القول وبيّنة من الأمر على نحو التكنية عن كون المعنى الذي أخبر به المخبر ممّا تعاضدت عليه الحجج وتجمعت عليه الآيات فان فرض من المخاطب أو السامع شكّ في واحدة منها كان له ان يأخذ بالأخرى . وهذه طريقة شائعة في عرف التخاطب والتفاهم يأخذ بها العقلاء فيما بينهم جريا على ما تدعوهم اليه قرائحهم ترى الواحد منهم يقيم الحجة على أمر من الأمور ثم يقول : فان شككت في ذلك أو سلّمنا أنها لا توجب المطلوب فهناك حجّة أخرى على ذلك وهي أنّ كذا كذا ، وذلك كناية عن أنّ الحجج متوفرة متعاضدة كالدعائم المضروبة على ما لا يحتاج إلى أزيد من واحد منها لكنّ الغرض من تكثيرها هو أن تكون العريشة قائمة عليها على تقدير قيام الكل والبعض . فيئول معنى الكلام إلى أن هذه معارف بيّنها اللّه لك بحجج تضطر العقول إلى قبولها وقصص تحكي سنّة اللّه في خلقه والآثار تدل عليها ، بيّنها في كتاب لا ريب فيه ، فعلى ما بيّنه حجّة وهناك حجة أخرى وهي أنّ أهل الكتب السماوية الموفين لها حق قراءتها يجدون ذلك فيما يقرءونه من الكتاب فهناك مبدأ ومعاد ، وهناك دين الهي بعث به رسله يدعون اليه ، ولم يدعوا أمّة من الأمم إلّا انقسموا قبيلين مؤمن ومكذّب فأنزل اللّه آية فاصلة بين الحق والباطل وقضى بينهم . وهذا أمر لا يسع أهل الكتاب أن ينكروه ، وإنما كانوا ينكرون بشارات النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم وبعض ما يختص به الإسلام من المعارف وما غيّروه في الكتب من الجزئيات ، ومن لطيف الإشارة أن اللّه سبحانه لم يذكر في القصص المذكورة في هذه السورة قصّة هود وصالح لعدم تعرّض التوراة الموجودة عندهم لقصّتهما وكذا قصة شعيب وقصة المسيح لعدم توافق أهل الكتاب عليها