السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
76
مختصر الميزان في تفسير القرآن
البعيدة . فمعنى الآية : وقال موسى - وكان ذلك بعد يأسه من إيمان فرعون وملئه ويقينه بأنهم لا يدومون إلّا على الضلال والإضلال كما يدل عليه سياق كلامه في دعائه - ربّنا إنك جازيت فرعون وملأه على كفرهم وعتوّهم جزاء السوء فآتيتهم زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربّنا إرادة منك لأن يضلوا من اتّبعهم عن سبيلك ، وإرادتك لا تبطل وغرضك لا يلغو ربّنا أدم على سخطك عليهم واطمس على أموالهم وغيّرها عن مجرى النعمة إلى مجرى النقمة ، واجعل قلوبهم مشدودة مربوطة فلا يؤمنوا حتى يقفوا موقفا لا ينفعهم الإيمان وهو زمان يرون فيه العذاب الإلهي . وهذا الدعاء من موسى عليه السّلام على فرعون وملئه إنما هو بعد يأسه التام من إيمانهم ، وعلمه أنه لا يترقّب منهم في الحياة إلّا أن يضلوا ويضلوا كدعاء نوح على قومه فيما حكاه اللّه : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً ( نوح / 27 ) ، وحاشا ساحة الأنبياء عليهم السّلام أن يتكلموا على الخرص والمظنّة في موقف يشافهون فيه رب العالمين جلت كبرياؤه وعز شأنه . قوله تعالى : قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ الخطاب - على ما يدل عليه السياق - لموسى وهارون ولم يحك الدعاء في الآية السابقة إلّا عن موسى ، وهذا يؤيد ما ذكره المفسّرون : أنّ موسى صلّى اللّه عليه وآله وسلم كان يدعو ، وكان هارون يؤمّن له وآمين دعاء فقد كانا معا يدعوان وإن كان متن الدعاء لموسى عليه السّلام وحده . والاستقامة هو الثبات على الأمر ، وهو منهما عليهما السّلام الثبات على الدعوة إلى اللّه وعلى إحياء كلمة الحق ، والمراد بالذين لا يعلمون الجهلة من شعب إسرائيل وقد وصفهم موسى عليه السّلام بالجهل كما في قوله : قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ( الأعراف / 138 ) .