السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

74

مختصر الميزان في تفسير القرآن

أما الأول فقد أشاروا اليه بقولهم : « رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ » وذلك أن الذي يغري الأقوياء الظالمين على الضعفاء المظلومين هو ما يشاهدون فيهم من الضعف فيفتتنون به فيظلمونهم فالضعيف بما له من الضعف فتنة للقوي الظالم كما أن الأموال والأولاد بما عندها من جاذبة الحب فتنة للانسان ، قال تعالى : إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ( التغابن / 15 ) . والدنيا فتنة لطالبها فسؤالهم ربّهم أن لا يجعلهم فتنة للقوم الظالمين سؤال منهم أن يسلبهم الضعف والذّلة بسلب الغرض منه وهو سلب الشيء بسلب سببه . وأما الثاني أعني التنجية فهو الذي ذكره حكاية عنهم في الآية الثانية « وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ » . قوله تعالى : وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً الخ ؛ التبوّي أخذ المسكن والمنزل ، ومصر بلد فرعون ، والقبلة في الأصل بناء نوع من المصدر كجلسة أي الحالة التي يحصل بها التقابل بين الشيء وغيره فهو مصدر بمعنى الفاعل أي اجعلوا بيوتكم متقابلة يقابل بعضها بعضا وفي وجهة واحدة وكان الغرض أن يتمكنا منهم بالتبليغ ويتمكنوا من إقامة الصلاة جماعة كما يدل عليه أو يشعر به قوله بعده : « وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ » لوقوعه بعده . وأما قوله : وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ فالسياق يدل على أن المراد به البشارة بإجابة ما سألوه في دعائهم المذكور آنفا « رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً » إلى آخر الآيتين . والمعنى : وأوحينا إلى موسى وأخيه أن اتّخذا لقومكما مساكن من البيوت في مصر - وكأنهم لم يكونوا إلى ذاك الحين إلّا كهيئة البدويين يعيشون في الفساطيط أو عيشة تشبهها - واجعلا أنتما وقومكما بيوتكم متقابلة وفي جهة واحدة يتصل بذلك بعضكم ببعض ويتمشى أمر التبليغ والمشاورة والاجتماع في الصلوات ، وأقيموا الصلاة وبشّر يا موسى أنت المؤمنين بأن اللّه سينجّيهم من فرعون وقومه .