السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
38
مختصر الميزان في تفسير القرآن
الضلال . فتقدير الكلام : فما ذا بعد الحق الذي معه الهدى إلّا الباطل الذي معه الضلال فحذف من كل من الطرفين شيء وأقيم الباقي مقامه ايجازا ، وقيل : فما ذا بعد الحق إلّا الضلال ، ولذا قال بعضهم : ان في الآية احتباكا - وهو من المحسنات البديعية - وهو أن يكون هناك متقابلان فيحذف من كل منهما شيء يدل عليه الآخر فان تقدير الكلام : فما ذا بعد الحق إلّا الباطل ؟ وما ذا بعد الهدى إلّا الضلال ؟ فحذف الباطل من الأول والهدى من الثاني وبقي قوله : فما ذا بعد الحق إلّا الضلال ؟ والوجه هو الذي قدّمناه . ثم تمم الآية بقوله : فَأَنَّى تُصْرَفُونَ اي إلى متى تصرفون عن الحق الذي معه الهدى إلى الضلال الذي مع الباطل . قوله تعالى : كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ظاهر السياق ان الكلمة التي تكلم اللّه سبحانه بها على الفاسقين هي انهم لا يؤمنون اي أنه سبحانه قضى عليهم قضاء حتما وهو ان الفاسقين - وهم على فسقهم - لا يؤمنون ولا تنالهم الهداية الإلهية إلى الايمان ، وقد قال تعالى : وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ( المائدة / 108 ) . وعلى هذا فالإشارة بقوله : كَذلِكَ إلى ما تحصل من الآية السابقة : ان المشركين صرفوا عن الحق وفسقوا عنه فوقعوا في الضلال إذ ليس بعد الحق إلّا الضلال . فمعنى قوله : كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الخ ؛ ان الكلمة الإلهية والقضاء الحتمي الذي قضى به في الفاسقين - وهو أنهم لا يؤمنون - هكذا حقت وثبتت في الخارج واخذت مصداقها وهو انهم خرجوا عن الحق فوقعوا في الضلال اي إنا لم نقض عدم هدى الفاسقين وعدم إيمانهم ظلما ولا جزافا وانما قضينا ذلك لأنهم صرفوا عن الحق وفسقوا فوقعوا في الضلال ولا واسطة بينهما فافهم ذلك .