السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
39
مختصر الميزان في تفسير القرآن
وفي الآية دلالة على أن الأمور الضرورية والاحكام والقوانين البيّنة التي تجري في النظام المشهود كقولنا : لا واسطة بين الحق والباطل ولا بين الهدى والضلال لها نوع استناد إلى القضاء الإلهي ، وليست ثابتة في ملكه تعالى من تلقاء نفسها . قوله تعالى : قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إلى آخر الآية ؛ تلقين للاحتجاج من جهة المبدإ والمعاد فان الذي يبدأ كل شيء ثم يعيده يستحق ان يعبده الانسان اتقاء من يوم لقائه ليأمن من أليم عذابه وينال عظيم ثوابه يوم المعاد . ولما كان المشركون - وهم المخاطبون بالحجة - غير قائلين بالمعاد أمر تعالى نبيه صلّى اللّه عليه وآله وسلم ان يتصدى جواب سؤاله بنفسه وقال « قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ » وإلى متى تصرفون عن الحق . قوله تعالى : قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ إلى آخر الآية ؛ يهدي للحق وإلى الحق بمعنى واحد فالهداية تتعدى بكلتا الحرفين ، وقد رود تعديتها باللام في مواضع كثيرة من كلامه تعالى كقوله : أَ وَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ( ألم السجدة / 26 ) ، وقوله : يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ( الإسراء / 9 ) إلى غير ذلك فما ذكره بعضهم من كون اللام في قوله : « يَهْدِي لِلْحَقِّ » للتعليل ليس بشيء . لقّن سبحانه نبيّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم هذه الحجة وهي ثالثة الحجج ، وهي حجة عقلية يعتمد عليها الخاصة من المؤمنين ، وتوضيحها ان من المرتكز في الفطرة الانسانية وبه يحكم عقله ان من الواجب على الانسان ان يتّبع الحق حتى أنه ان انحرف في شيء من اعماله عن الحق واتّبع غيره لغلط أو شبهة أو هوى فإنما اتبعه لحسبانه إياه حقا والتباس الأمر عليه ، ولذا يعتذر عنه بما يحسبه حقا فالحق واجب الاتباع على الاطلاق ومن غير قيد أو شرط . والهادي إلى الحق واجب اتباعه لما عنده من الحق ، ومن الواجب ترجيحه على من لا