السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

92

مختصر الميزان في تفسير القرآن

وربما استفيد من قوله : « فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ » أنه إنما قتله ليلا ، وفيه كما قيل : أن أصبح - وهو مقابل أمسى - وإن كان بحسب أصل معناه يفيد ذلك لكن عرف العرب يستعمله بمعنى صار من غير رعاية أصل اشتقاقه ، وفي القرآن شيء كثير من هذا القبيل كقوله فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً ( آل عمران / 103 ) وقوله : فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ ( المائدة / 52 ) فلا سبيل أي إثبات إرادة المعنى الأصلي في المقام . قوله تعالى : فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ البحث طلب الشيء في التراب ثم يقال : بحثت عن الأمر بحثا كذا في المجمع . والمواراة : الستر ، ومنه التواري للتستر ، والوراء لما خلف الشيء . والسوأة ما يتكرهه الإنسان . والويل الهلاك . ويا ويلتا كلمة تقال عند الهلكة ، والعجز مقابل الاستطاعة . والآية بسياقها تدل على أن القاتل قد كان بقي زمانا على تحير من أمره ، وكان يحذر أن يعلم به غيره ، ولا يدري كيف الحيلة إلى أن لا يظفروا بجسده حتى بعث اللّه الغراب ، ولو كان بعث الغراب وبحثه وقتله أخاره متقاربين لم يكن وجه لقوله « يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ » « 1 » « 2 » . قوله تعالى : مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً في المجمع : الاجل في اللغة الجناية ، انتهى . وقال الراغب في المفردات : الاجل الجناية التي يخاف منها آجلا ، فكل أجل جناية وليس كل جناية أجلا . يقال : فعلت ذلك من أجله ، انتهى . ثم استعمل للتعليل ، يقال : فعلته من أجل كذا أي إن كذا

--> ( 1 ) . المائدة 27 - 32 : كلام في أن ابن آدم تعلم من الغراب كيف يواري سوأة أخيه . ( 2 ) . المائدة 27 - 32 : كلام في معنى الاحساس والتفكير .