السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
86
مختصر الميزان في تفسير القرآن
الغير على أن يجبر الآخر لكن تعورف في الإكراه المجرد فقيل : أجبرته على كذا كقولك : أكرهته . قال : والجبّار في صفة الإنسان يقال لمن يجبر نقيصة بادعاء منزلة من التعالي لا يستحقها ، وهذا لا يقال إلا على طريق الذم كقوله عزّ وجل وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ وقوله تعالى : وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا وقوله عزّ وجل « إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ » قال : ولتصوّر القهر بالعلوّ على الاقران قيل : نخلة جبارة وناقة جبارة انتهى موضع الحاجة . فظهر أن المراد بالجبارين هم أولو السطوة والقوة من الذين يجبرون الناس على ما يريدون . وقوله : « وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها » اشتراط منهم خروج القوم الجبارين في دخول الأرض ، وحقيقته الرد لأمر موسى وإن وعدوه ثانيا الدخول على الشرط بقولهم « فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ » . قوله تعالى : قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا إلى آخر الآية ؛ ظاهر السياق أن المراد بالمخافة مخافة اللّه سبحانه وأن هناك رجالا كانوا يخافون اللّه أن يعصوا أمره وأمر نبيه ، ومنهم هذا الرجلان اللذان قالا ما قالا ، وأنهما كانا يختصان من بين أولئك الذين يخافون بأن اللّه أنعم عليهما ، وقد مر في موارد تقدمت من الكتاب أن النعمة إذا أطلقت في عرف القرآن يراد بها الولاية الإلهية فهما كانا من أولياء اللّه تعالى ، وهذا في نفسه قرينة على أن المراد بالمخافة مخافة اللّه سبحانه فإن أولياء اللّه لا يخشون غيره قال تعالى : أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( يونس / 62 ) . ويمكن أن يكون متعلق « أنعم » المحذوف أعني المنعم به هو الخوف ، فيكون المراد أن اللّه أنعم عليهما بمخافته ، ويكون حذف مفعول « يَخافُونَ » للاكتفاء بذكره في قوله : « أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا » إذ من المعلوم أن مخافتهما لم يكن من أولئك القوم الجبارين والألم يدعوا بني إسرائيل إلى الدخول بقولهما « ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ » .