السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

84

مختصر الميزان في تفسير القرآن

أيضا ما يرد على سابقه . ثم قال : « وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ » وهي العنايات والألطاف الإلهية التي اقترنت بآيات باهرة قيّمة بتعديل حياتهم لو استقاموا على ما قالوا ، وداموا على ما واثقوا ، وهي الآيات البينات التي أحاطت بهم من كل جانب أيام كانوا بمصر ، وبعد إذ نجاهم اللّه من فرعون وقومه ، فلم يتوافر ويتواتر من الآيات المعجزات والبراهين الساطعات والنعم التي يتنعم بها في الحياة على أمة من الأمم الماضية المتقدمة على عهد موسى ما توافرت وتواترت على بني إسرائيل . قوله تعالى : يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ أمرهم بدخول الأرض المقدسة ، وكان يستنبط من حالهم التمرد والتأبّي عن القبول ، ولذلك أكد أمره بالنهي عن الارتداد وذكر استتباعه الخسران . والدليل على أنه كان يستنبط منهم الرد توصيفه إياهم بالفاسقين بعد ردهم ، فإن الردّ وهو فسق واحد لا يصحح اطلاق « الفاسقين » عليهم الدالّ على نوع من الاستمرار والتكرّر . وقد وصف الأرض بالمقدسة ، وقد فسروه بالمطهرة من الشرك لسكون الأنبياء والمؤمنين فيها ، ولم يرد في القرآن الكريم ما يفسر هذه الكلمة . والذي يمكن أن يستفاد منه ما يقرب من هذا المعنى قوله تعالى : إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ ( الإسراء / 1 ) وقوله : وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها ( الأعراف / 137 ) وليست المباركة في الأرض الا جعل الخير الكثير فيها ، ومن الخير الكثير إقامة الدين واذهاب قذارة الشرك . وقوله : « كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ » ظاهر الآيات أن المراد به قضاء توطنهم فيها ، ولا ينافيه قوله في آخرها : « فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً » بل يؤكده فإن قوله : « كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ » كلام مجمل