السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
407
مختصر الميزان في تفسير القرآن
نورا أي علما متولدا من إيمانه كما قال صلّى اللّه عليه وآله وسلم فيما رواه الفريقان : « من عمل بما علم رزقه اللّه علم ما لم يعلم أو علمه اللّه ما لم يعلم » . فإن روح الإيمان إذا تمكنت من نفس الإنسان واستقرت فيها حوّلت الآراء والأعمال إلى صور تناسبها ولا تخالفها وكذلك سائر الملكات أعم من الفضائل والرذائل إذا استقرت في باطن الانسان لم تلبث دورا تحوّل آراءه واعماله إلى أشكال تحاكيها . قوله تعالى : كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ظاهر سياق صدر الآية أن يكون التشبيه في قوله : « كَذلِكَ » من قبيل تشبيه الفرع بالأصل بعناية إعطاء القاعدة الكلية كقوله تعالى : كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ وقوله : كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ ( الرعد / 17 ) أي اتخذ ما ذكرناه من المثل أصلا وقس عليه كل ما عثرت به من مثل مضروب فمعنى قوله : « كَذلِكَ زُيِّنَ » الخ ؛ على هذا المثال المذكور أن الكافر لا مخرج له من الظلمات ، زين للكافرين أعمالهم فقد زينت لهم أعمالهم زينة تجذبهم إليها وتحبسهم ولا تدعهم يخرجوا منها إلى فضاء السعادة وفسحة النور أبدا واللّه لا يهدي القوم الظالمين . قوله تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها إلى آخر الآية ؛ كأن المراد بالآية أنا أحيينا جمعا وجعلنا لهم نورا يمشون به في الناس ، وآخرين لم نحيهم فمكثوا في الظلمات فهم غير خارجين منها ولا أن أعمالهم المزينة تنفعهم وتخلصهم منها كذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها بالدعوة الدينية والنبي والمؤمنين لكنه لا ينفعهم فإنهم في ظلمات لا يبصرون بل إنما يمكرون بأنفسهم ولا يشعرون . وعلى هذا فقوله : « كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ » مسوق لبيان أن أعمالهم المزينة لهم لا تنفعهم في استخلاصهم من الظلمات التي هم فيها ، وقوله : « وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ » الخ ؛ مسوق لبيان أن أعمالهم ومكرهم لا يضر غيرهم إنما ويقع مكرهم على أنفسهم وما يشعرون لمكان ما غمرهم من الظلمة .