السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

408

مختصر الميزان في تفسير القرآن

والجعل في قوله : « جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها » كالجعل في قوله : « وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً » فالأنسب أنه بمعنى الخلق ، والمعنى : خلقنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وكون مكرهم غاية للخلقة وغرضا للجعل نظير كون دخول النار غرضا إلهيا في قوله : وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ( الأعراف / 179 ) وقد مر الكلام في معنى ذلك في مواضع من هذا الكتاب . وإنما خص بالذكر أكابر مجرميها لأن المطلوب بيان رجوع المكر إلى ماكره ، والمكر باللّه وآياته إنما يصدر منهم ، وأما أصاغر المجرمين وهم العامة من الناس فإنما هم أتباع وأذناب . وأما قوله : وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ فذلك أن المكر هو العمل الذي يستبطن شرا وضرا يعود إلى الممكور به فيفسد به غرضه المطلوب ويضل به سعيه ويبطل نجاح عمله ، ولا غرض للّه سبحانه في دعوته الدينية ، ولا نفع فيها إلا ما يعود إلى نفس المدعوّين فلو مكر الإنسان مكرا باللّه وآياته ليفسد بذلك الغرض من الدعوة ويمنع عن نجاح السعي فيها فإنما مكر بنفسه من حيث لا يشعر : واستضر بذلك هو نفسه دون ربه . قوله تعالى : وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ - إلى قوله - رِسالَتَهُ قولهم : « لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ » يريدون به أن يؤتوا نفس الرسالة بما لها من مواد الدعوة الدينية دون مجرد المعارف الدينية من أصول وفروع وإلا كان اللفظ المناسب له أن يقال : « مثل ما أوتي أنبياء اللّه » أو ما يشاكل ذلك كقولهم : لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ ( البقرة / 118 ) وقولهم : لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا ( الفرقان / 21 ) . فمرادهم أنا لن نؤمن حتى نؤتى الرسالة كما أوتيها الرسل ، وفيه شيء من الاستهزاء فإنهم ما كانوا قائلين بالرسالة فهو بوجه نظير قولهم : لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ( الزخرف / 31 ) كما أن جوابه نظير جوابه وهو قوله تعالى : أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ « اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ » .