السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
269
مختصر الميزان في تفسير القرآن
ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ - وهو في معنى قوله : « لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ * وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » فكانت هذه الآية لذلك بمنزلة مقدمة متممة للحجة المسرودة في الآية السابقة . والآية - على أنا لم نستوف حقها ولن يستوفي - من أرق الآيات القرآنية معنى وأدقها إشارة وحجة ، وأبلغها منطقا . قوله تعالى : قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ شروع في الاحتجاج على وحدانيته تعالى وأن لا شريك له . والذي يتحصل من تاريخ الوثنية واتخاذ الأصنام والآلهة أنهم كانوا إنما دانوا بذلك وخضعوا للآلهة لأحد أمرين : إما أنهم وجدوا أنفسهم في حاجة إلى أسباب كثيرة في إبقاء الحياة كالتغذي بالطعام واللباس والمسكن والأزواج والأولاد والعشيرة ونحو ذلك ، وعمدتها الطعام الذي حاجة الإنسان إليه أشد من حاجته إلى غيره بحسب النظر الساذج ، وقد اعتقدوا أن لكل صنف من أصناف هذه الحوائج تعلقا بسبب هو الذي يجود لهم بالتمتع من وسيلة رفع تلك الحاجة كالسبب الذي يمطر السماء فينبت المرعى والكلاء لدوابهم ويمنح بالخصب لأنفسهم ، والسبب الذي يدبّر أمر السهل والجبل أو يلقي بالمحبة والألفة أو إليه أمر البحر والسفائن الجارية فيها . ثم وجدوا أن قوّتهم لا تفي بالتسلط على تلك الحاجة أو الحوائج الضرورية فاضطروا إلى الخضوع إلى السبب المربوط بحاجتهم واتخاذه إلها ثم عبادته . وإما لأنهم وجدوا هذا الإنسان الأعزل غرضا لسهام الحوادث محصورا بمكاره وشرور عامة عظيمة لا يقاومها كالسيل والزلزلة والطوفان والقحط والوباء ، وببلايا ومحن أخرى جزئية لا يحصيها كالأمراض والأوجاع والسقوط والفقر والعقم والعدو والحاسد والشانئ وغير ذلك ، ثم وضعوا لها أسبابا قاهرة هي المرسلة لها إليهم ، والقاصمة بها ظهورهم ، والمكدرة لصفوة عيشهم ، وهي مخلوقات علوية كأرباب الأنواع وأرواح الكواكب والأجرام