السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

249

مختصر الميزان في تفسير القرآن

لأنك المولى الحق والى المولى أمر عباده ، وإن تغفر لهم بإمحاء أثر هذا الظلم العظيم فإنك أنت العزيز الحكيم لك حق العزة والحكمة ، وللعزيز ( وهو الذي له من الجدة والقدرة ما ليس لغيره ) ولا سيما إذا كان حكيما ( لا يقدم على أمر إلا إذا كان مما ينبغي أن يقدم عليه ) أن يغفر الظلم العظيم فإن العزة والحكمة إذا اعتنقتا في فاعل لم تدعا قدرة تقوم عليه ولا مغمضة في ما قضى به من أمر . وبما تقدم من البيان ظهر أولا : أن قوله : « فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ » بمنزلة أن يقال : « فإنك مولاهم الحق » على ما هو دأب القرآن من ذكر أسماء اللّه بعد ذكر أفعاله كما في آخر الآية . وثانيا : ان قوله : « فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » ليس مسوقا للحصر بل الإتيان بضمير الفصل وإدخال اللام في الخبر للتأكيد ، ويؤول معناه إلى أن عزتك وحكمتك مما لا يداخله ريب فلا مجال للاعتراض عليك إن غفرت لهم . وثالثا : أن المقام ( مقام المشافهة بين عيسى بن مريم عليه السّلام وربه ) لما كان مقام ظهور العظمة الإلهية التي لا يقوم لها شيء كان مقتضاه أن يراعي فيه جانب ذلة العبودية للغاية بالتحرز عن الدلال والاسترسال والتجنب عن مداخلة في الأمر بدعاء أو سؤال ، ولذلك قال عليه السّلام « وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » ولم يقل « فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » لأن سطوع آية العظمة والسطوة الإلهية القاهرة الغالبة على كل شيء لا يدع للعبد إلا أن يلتجئ اليه بماله من ذلة العبودية ومسكنة الرقية والمملوكية المطلقة ، والاسترسال عند ذلك ذنب عظيم . وأما قول إبراهيم عليه السّلام لربه فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( إبراهيم / 36 ) فإنه من مقام الدعاء وللعبد أن يثير فيه ناشئة الرحمة الإلهية بما استطاع . قوله تعالى : قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ تقرير لصدق عيسى بن مريم عليه السّلام على طريق التكنية فإنه لم يصرح بشخصه وإنما المقام هو الذي يفيد ذلك . والمراد بهذا الصدق من الصادقين صدقهم في الدنيا فإنه تعالى يعقب هذه الجملة بقوله