السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

248

مختصر الميزان في تفسير القرآن

ومن الدليل على ذلك بشارته عليه السّلام بمجيء النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم - على ما يحكيه القرآن - بقوله يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ( الصف / 6 ) وقد نص القرآن على كون النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم من الشهداء قال تعالى : وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً ( النساء / 41 ) . على أن اللّه سبحانه حكى عنه هذا الحصر « فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ » ولم يرده بالإبطال فاللّه سبحانه هو الشهيد لا غير مع وجود كل شهيد أي إن حقيقة الشهادة هي للّه سبحانه كما أن حقيقة كل كمال وخير هو للّه سبحانه ، وأن ما يملكه غيره من كمال أو خير أو حسن فإنما هو بتمليكه تعالى من غير أن يستلزم هذا التمليك انعزاله تعالى عن الملك ولا زوال ملكه وبطلانه ، وعليك بالتدبر في أطراف ما ذكرناه . فبان بما أورده من بيان حاله المحكي عنه في الآيتين أنه بريء مما قاله الناس في حقه وأن لا عهدة عليه فيما فعلوه ، ولذلك ختم عليه السّلام كلامه بقوله « إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ » إلى آخر الآية . قوله تعالى : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ لما اتضح بما أقام عليه السّلام من الحجة أن لم يكن له من الوظيفة بالنسبة إلى الناس إلا أداء الرسالة والقيام بأمر الشهادة ، وأنه لم يشتغل فيهم إلا بذلك ولم يتعده إلى ما ليس له بحق فهو غير مسؤول عما تفوهوا به من كلمة الكفر ، بان أنه عليه السّلام بمعزل عن الحكم الإلهي المتعلق بهم فيما بينهم وبين ربهم ، ولذلك استأنف الكلام ثانيا فقال من غير وصل وتفريع : « إِنْ تُعَذِّبْهُمْ » الخ . فالآية كالصالحة لأن يوضع موضع البيان السابق ، ومفادها أنه لا عهدة علي فيما وقعوا فيه من الشرك الشنيع ، ولم اداخل أمرهم في شيء حتى أشاركهم فيما بينك وبينهم من الحكم عليهم بما شئت فهم وحكمك في حقهم بما أردت ، وهم وصنعك فيهم بما صنعت ، إن تعذبهم بما حكمت فيمن أشرك بك بدخول النار فإنهم عبادك ، وإليك تدبير أمرهم ، ولك أن تسخط عليهم به