السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

237

مختصر الميزان في تفسير القرآن

مائِدَةً مِنَ السَّماءِ » بحسب ظاهر ما يتبادر من معناه مما يستعبد العقل صدوره عن الحواريين وهم أصحاب المسيح وتلامذته وأخصاؤه الملازمون له المقتبسون من أنوار علومه ومعارفه المتبعون آدابه وآثاره ، والإيمان بأدنى مراتبه ينبه الإنسان على أن اللّه سبحانه على كل شيء قدير ، ولا يجوز عليه العجز ولا يغلبه العجز ؛ فكيف جاز أن يستفهموا رسولهم عن استطاعة ربه على إنزال مائدة من السماء . ولذلك قرأ الكسائي من السبعة « هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ » بتاء المضارعة ونصب « رَبُّكَ » على المفعولية أي هل تستطيع أنت أن تسأل ربك ، فحذف الفعل الناصب للمفعول وأقيم « تستطيع » مقامه ، أو أنه مفعول لفعل محذوف فقط . وقد اختلف المفسرون في توجيهه على بناء من أكثريهم على أن المراد به غير ما يتبادر من ظاهره من الشك في قدرة اللّه سبحانه لنزاهة ساحتهم من هذا الجهل السخيف . وأوجه ما يمكن أن يقال هو أن الاستطاعة في الآية كناية عن اقتضاء المصلحة ووقوع الإذن كما أن الإمكان والقدرة والقوة يكنى بها عن ذلك كما يقال « لا يقدر الملك أن يصغي إلى كل ذي حاجة » بمعنى أن مصلحة الملك تمنعه من ذلك وإلا فمطلق الإصغاء مقدور له ، ويقال « لا يستطيع الغني أن يعطي كل سائل » أي مصلحة حفظ المال لا تقتضيه ، ويقال « لا يمكن للعالم أن يبث كل ما يعلمه » أي يمنعه عن ذلك مصلحة الدين أو مصلحة الناس والنظام الدائر بينهم ، ويقول أحدنا لصاحبه « هل تستطيع أن تروح معي إلى فلان » ؟ وإنما السؤال عن الاستطاعة بحسب الحكمة والمصلحة لا بحسب أصل القدرة على الذهاب ، هذا . قوله تعالى : قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ توبيخ منه عليه السّلام لهم لما يشتمل عليه ظاهر كلامهم من الاستفهام عن استطاعة ربه على إنزال المائدة فإن كلامهم مريب على أي حال .